مقالات

عن الدولة والنظام السياسي

عبد الحليم الرهيمي 26 / 11 / 2018 

يعد تحديد التوصيفات او التعريفات الدقيقة للمصطلحات السياسية والفكرية والمؤسسات المنبثقة عنها، أمراً كبير الأهمية، بسبب كون هذه التوصيفات الدقيقة تظهر وتوضح المضمون والمعنى الدقيق لهذا المصطلح او ذاك، وبما يسهل فهمه للنخب الفكرية والسياسية وحتى للأنسان البسيط المتواضع الثقافة والمعرفة، وذلك لما يترتب على تلك التوصيفات من رؤى ومواقف اكثر تعبيراً عن تلك المضامين، ولعل مصطلحي الدولة والنظام السياسي هما احد الامثلة على ذلك، حيث دأب بعض الكتاب والاعلامين في السنوات الاخيرة على تقديم توصيفاتهم الخاصة وغير الدقيقة، بل الهلامية والغامضة للمصطلحين وعدهما شيئاً واحداً ويحملان المعنى ذاته.

والواقع، ان توصيف الدولة، اي دولة، هي مفهوم الادارة او المؤسسة الاكبر من مفهوم النظام السياسي، الذي تمثله مؤسسات ادارية او حاكمة تدير المجتمع في اطار حاكم يشبه الدولة التي انبثقت في عصور تالية بعد العصر العبودي ثم الاقطاعي اللذين حكم فيهما او ادار السلطة فيهما السادة وشيوخ القبائل لقيادة الناس كعبيد او ملاك الارض الاقطاعيون لاحقاً ثم بدأ يتبلور ظهور الدولة في العصر الصناعي الرأسمالي الذي تديره وتحكم فيه الطبقات او المجموعات الاقتصادية التي شكلت الأدارة الحاكمة او النظام السياسي الراسمالي وغيره من الانظمة السياسية في العصر الراهن.

وفي ضوء ذلك بدأ يتوضح مفهوم الدولة الاشمل التي تضم مؤسسات البلد او كيان جغرافي تعيش فوقه مجموعات بشرية يحكمها ويدير شوؤنها نظام سياسي قد يكون عبودياُ او اقطاعياً او رأسمالياً او اشتراكياً او اسلامياً او اية صفة اخرى يتخذها، لكن الدولة التي تحتوي هذا النظام السياسي ليس لها سوى صفتين: اما دولة عادلة يقيمها او يحققها نظام سياسي ضمن شروط ومواصفات محددة او دولة غير عادلة وظالمة او مستبدة، وهي بدورها لا تمثل النظام السياسي الذي تأسس في ظلها وغير مسؤولة عنه الا بقدر تعبيره عن نفسه فيما اذا كان يحقق العدالة فيضفي على الدولة صفة العدالة او ظالم وغير عادل فتطلق صفة اللاعدالة على الدولة التي تأسس النظام السياسي بظلها. اما اطلاق صفة او مفهوم الدولة الحضارية الحديثة او القديمة فهو مصطلح مفبرك، وهو أذ لا يصح اطلاقه بالتاكيد كصفة او مفهوم عام للدولة لا يصح حتى أطلاقه اساساً، على النظام السياسي.

فأذا كان مفهوم الحضارة يعني مجموع ما انتجته ابداعات وثقافة واختراعات شعب بلد ما او مجموعة بلدان فلا يمكن (الصاق) ذلك بدولة ما ووصفها بالدولة الحضارية الحديثة، لهذا لا يمكن (الصاق) هذه الصفة ايضاً بأي نظام سياسي ووصفه بالنظام الحضاري الجديد او القديم او اي صفة اخرى. ومن ذلك يمكننا القول، ان اطلاق اي صفة او مفهوم آخر للدولة غير مفهوم الدولة العادلة او الدولة غير العادلة، يمثل هروباً الى امام لعدم البحث في الشروط والظروف الواقعية لأقامة نظام سياسي يمكن ان يمنح الدولة صفة العدالة. لذا فان هذا الاستخدام غير الموفق لمفاهيم تضفى على الدولة لا على الانظمة السياسية يذكرنا بما طرحه بعض المحسوبين على الاسلام السياسي في ثمانينات وتسعينات القرن العشرين عندما كانت الدعوات لأقامة الديمقراطية في العراق اذا ما اطيح بنظام صدام، وذلك بدعوتهم الى (الآليات الديمقراطية) وليس الى الديمقراطية كنظام سياسي ذي مضمون مدني تقدمي متعارف عليه، وذلك تحاشياً للقول بأيمانهم بالديمقراطية بهذا المعنى. ان العدالة والعدالة فقط هي المعيار الوحيد الذي ينبغي ان توصف به الدولة وليس اي تعريف او صفة اخرى، ذلك لان العدالة هي الهدف الاهم والاسمى الذي تسعى لتحقيقه جميع شعوب الارض وليس أية توصيفات اخرى تصرف انظارها عن هذا الهدف الكبير والعظيم، والتي يصبح الحديث عنها وتكرارها بتعابير واشكال متعددة ومتباينة تبدو وكأن المثل المصري الشائع الذي يقول (سمك.. زبادي.. تمر هندي..) ينطبق عليها!!

المزيد من الأخبار