مقالات

حصيلة الفشل

جليل وادي 11 / 09 / 2018 

من المفارقات ان يكون الماء هو الشرارة التي أشعلت كل هذه النيران في البصرة التي بدأت بحرق الاطارات وامتدت لمقار الأحزاب الاسلامية ثم القنصلية الايرانية،  ولا أحد يدري تحديداً الى أين سيمتد اوارها. فما يحدث ليس الا بداية لمشروع نار كبرى ستحرق الأخضر واليابس ، اذا لم تحسن الحكومة ادارة أزمة البصرة ، مع ان الامور للأسف بدأت تفلت من السيطرة ، من دون ان يدرك المعنيون ان للأزمات الطويلة تداعياتها ، وان الاجراءات اذا لم تكن بمستوى الأحداث وسرعتها ، فان الخراب قادم لا محالة ، ولكن السؤال الأهم : هل الجهات المعنية بالبصرة حكومة واحزابا ومجلس محافظة قادرة على اخماد هذه النيران ؟ من جانبي أشك في ذلك ، فهذه الأطراف لم تدرك بعد موقف الأزمة وأسبابها الحقيقية الذي يعد شرطا لازما لإدارتها ، ولذلك لن يكون بمقدورها تخفيف حدتها او اخمادها ، وقد يكون ذلك ممكنا باستخدام العنف ولكنه سينتهي الى كارثة  ، ذلك ان ما يجري في البصرة وان كانت الخدمات وفرص العمل شرارته ، لكنها ليست السبب الجوهري ، فما يحدث هو رفض لنظام سياسي ليس بوسعه الا انتاج الفشل ، وليس لدى هذه الأطراف من القدرة او الرؤية او نكران الذات ما يكفي لتعديل مسارات خاطئة بالأصل ، بينما الأزمات تتلاحق ، ويذكرنا هذا بأصوات الحكمة التي بُحت من ترداد : ان حجر التأسيس لحلم العراق الجديد لم يكن سليما ، لكن أخذتهم العزة بالإثم ، وكالوا شتى الاتهامات لمطلقي هذه الكلمات ووصفوهم بأبشع النعوت . ومنذ تلك اللحظة التي صموا بها الآذان عن سماع الكلام الرشيد ، صار توقع الخراب احتمالا ممكنا ، وحان الوقت ، ليبدأ المسلسل الجديد بحلقته الاولى من البصرة ، من الرئة التي يتنفس منها العراق ، وتخيلوا الحال عندما تضطرب هذه الرئة او تتوقف .

 أسئلة كثيرة تثيرها أزمة البصرة التي تسبح بالماء وتموت عطشا ، وتغفو على بحيرة نفط وتعاني أقسى حالات الفقر ، وتُصادر حريتُها ، بينما هي الأكثر تسامحا مع كل الألوان ومن مختلف بقاع العالم على طول تاريخها ، حتى وصفت بالثغر الباسم لعشقها الحرية والفن ، وهكذا مدن وناس لا يمكن أن يرضوا بالضيم وتكبيل المعاصم والعيش على الفتات .

لم تكن الأحداث في البصرة في بدايتها سوى أزمة كان بالمقدور تحويطها ، لكن المعنين تراخوا ، وانشغلوا بالدروب التي توصلهم للسلطة ، فتحولت الأزمة الى انتفاضة ، وربما تمتد الى مدن اخرى عندما تكون الظروف مواتية ، وبهذا فتحوا الأبواب على مصاريعها لتوظيف الجنوب كله وليس البصرة وحدها في المشروع الأمريكي الذي يستهدف ايران ، ولمثل هذا التوظيف أثمان باهظة يدفعها شباب العراق ، فماذا نفعل لتجنيب مدننا وشبابنا من ان يكونوا وقودا لحروب ليست بأقل بشاعة من التي تعرضنا لها خلال العقود الماضية ؟ فسيناريوهات الأزمة الامريكية الايرانية شبيهة بإطرها العامة بتلك التي حصلت في العراق ويوغسلافيا مع اختلاف ببعض التفاصيل ، والخشية كل الخشية ان تعمل تلك السيناريوهات على اشعال حرب أهلية في الجنوب بوصفها المقدمات الاولى للحرب ضد ايران ، بمعنى آخر خلخلة المنطقة ليكون بالمقدور النفاذ منها ، نأمل بألا تحصل هذه التوقعات وان تعيش شعوب المنطقة بسلام وأمان .

ان أهم ما أحرقته نيران البصرة هو الولاية الثانية لرئيس الوزراء حيدر العبادي ، ولذلك لن تتمكن مطافيء حكومته من اخماد الحريق مهما فعلت ، مع شكنا بقدرتها على فعل شيء مهم ، فما يريده المحتجون يتعذر على العبادي تحقيقه ، لأنه بحاجة الى سنوات من العمل الحقيقي والارادة المستقلة والجدية بمحاسبة الفاسدين ، وهذا ليس بالأمر اليسير .

ما الحل اذا لمحنة البصرة ؟ لا أظن حلا لها الا برئيس وزراء جديد ، وهذا من شأنه ترحيل الأزمة وتهدئة المحتجين الى حين ، ريثما يرى أبناء البصرة ما الذي سيفعله رئيس الوزراء الجديد الذي يقع على كاهله فعل الكثير اذا ما أراد  للبلاد استقرارا وارتقاء ، وأولها مراجعة سنوات الفشل .

المزيد من الأخبار