مقالات

رئيس الجمهورية بين الدور المتوجّب والدور الحاصل

زهير كاظم عبود 31 / 07 / 2018 

يفترض وفقاً لأحكام المادة (67) من الدستور العراقي أن يكون رئيس الجمهورية رمزاً لوحدة الوطن ويسهر على ضمان الالتزام بالدستور، وإنه الحريص على تطبيق القوانين وفقاً للخبرة السياسية التي يمتلكها والتي كانت سبباً من أسباب انتخابه لمنصب الرئاسة، وإنه وفقاً لنص المادة (71) من الدستور يؤدي مهمته ومسؤوليته بتفانٍ وإخلاص راعياً مصالح الشعب والعمل على صيانة الحريات العامة والخاصة، ويسعى الى رصانة استقلالية القضاء العراقي، ويلتزم بتطبيق القوانين بأمانة وحياد.
وبالرغم من الدور التشريفي والاحتفالي للرئيس واقتصار دوره ومهماته وفقاً لما حددته المادة (73) من الدستور، فإن الرئيس لم يكن مؤهلاً في الموقع الذي يشغله، ولم يكن دوره سوى دور وظيفي لم يكن بمستوى التفاني والإخلاص ورعاية مصالح الشعب وتدقيق القوانين التي يفترض أن تكون منسجمة مع مصالح الناس وتسعى لتنظيم وترتيب أمور حياتهم بشكل متساوٍ وشفاف .
فالرئيس وهو المتلكئ بتنفيذ أحكام الفقرة (ثامناً) من النص الخاص بصلاحياته وهو المصادقة على أحكام الإعدام التي تصدرها المحاكم المختصة، فقد سبق وأن نشر المكتب الإعلامي بتاريخ الأحد 14/8/2016 (أن المراسيم الموقعة أرسلت الى السلطة التنفيذية المعنية لغرض تنفيذ هذه الأحكام بالمدانين بها، مؤكداً أن صدورها تم بعد دراسة الملفات من اللجنة القانونية الخاصة المشكّلة لهذا الغرض. وأضاف المكتب أن اللجنة القانونية في رئاسة الجمهورية مستمرة في دراسة الملفات المتبقية لحسمها والمصادقة عليها وفق الأصول الدستورية والقانونية النافذة).
ومن يطالع الخبر يدرك حتماً المأساة التي يمر بها العراق الاتحادي، الخلل لا يكمن في تصديق الأحكام أو تأخيرها، ولا في تنفيذ تلك الأحكام التي تقوم السلطة التنفيذية بتنفيذها، الخلل واضح في تشكيل لجنة قانونية تقوم بتدقيق أحكام المحاكم العراقية، وتدقق الأحكام والقرارات التي أصبحت باتّةً ومكتسبة للدرجة القطعية بمصادقة محكمة التمييز الاتحادية، أو مضي المدد القانونية المقررة للطعن، وبالتالي تحولت تلك القرارات والأحكام الى أحكام باتّة وحجة في ما يتعلق بتعيين الواقعة التي نظرتها المحكمة المختصة في المسائل والوقائع التي فصلت بها، حيث أن أحكام محاكم الجنايات العراقية وفقاً لأحكام الفقرة (آ) من المادة 254 من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل ملزمة بإرسال اضبارة الدعوى الى محكمة التمييز الاتحادية في حال صدور حكم وجاهي بالإعدام أو السجن المؤبد، خلال مدة عشرة أيام من تاريخ صدور الحكم للنظر فيه تمييزاً ولو لم يقدم المحكوم أو وكيله طعناً فيه .
إن قيام لجنة قانونية بدراسة وتدقيق الأحكام القضائية لا قيمة له مطلقاً، ويعد الأمر من باب التدخل في عمل القضاء الذي أكد عليه الدستور العراقي، بالإضافة الى مماطلة وتبريرات ليس لها محل من القانون في انسيابية تنفيذ القرارات المكتسبة للدرجة القطعية من الأحكام وخصوصاً بحق من ارتكب أبشع الجرائم من الإرهابيين وغيرهم .
ومن يطالع صلاحيات السيد رئيس الجمهورية في الدستور العراقي (67 – 75) يلاحظ أن الفقرة ثامناً من المادة 73 نصّت على أن يتولى رئيس الجمهورية المصادقة على أحكام الإعدام التي تصدرها المحاكم المختصة، ولم يكن من بينها أن يقوم السيد الرئيس بتشكيل لجنة قانونية تدقق الأحكام القضائية أو تقرر عدم تنفيذها لأي سبب مادامت اكتسبت درجة البتات، فمثل هذه اللجان مهما كان وزنها لايمكن ان ترقى الى مستوى الأحكام التي تصدرها المحاكم العراقية، فالقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولايجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة .
إن وظيفة رئيس الجمهورية هي بالأساس جزء من السلطة التنفيذية، ويمارس السيد الرئيس صلاحياته وفقاً للدستور والقانون، وكل خرق في الدستور أو القانون يستوجب إخضاعه للمساءلة القانونية، وتشكيل لجنة من موظفين حقوقيين في رئاسة الجمهورية تقوم بتدقيق الأحكام الصادرة من محاكم الجنايات، والتي اكتسبت الدرجة القطعية، والتي أرسلت الى رئاسة الجمهورية لإصدار المرسوم الجمهوري بالتنفيذ، لايمكن أن يعطي الحق لديوان الرئاسة أو الدائرة القانونية أن تقوم بتدقيق أعمال القضاة والأحكام الصادرة في القضايا المعروضة .
ولانريد التحدث عن جيش الموظفين والمستشارين العاملين في الرئاسة مع حجم الدور التشريفي الذي يقوم به السيد الرئيس، فقد تحدث عنها الكثير بمرارة، ومع كل هذا يفترض أن يقوم السيد الرئيس مع جيش المستشارين واللجان القانونية العاملة في الرئاسة أن تقوم بواجبها الدستوري والقانوني بما يخدم الشعب، ولعل قانون مجلس النواب الأخير رقم 13 لسنة 2018 مثالاً صارخاً على عدم الاهتمام بهذه الواجبات، فقد تم تمرير فقرات المادة (13) منه لتثبيت حقوق وامتيازات الرئيس وأعضاء مجلس النواب خارج منطق القوانين وقفزاً على المساواة في الحقوق، فإن كان السيد الرئيس يعرف أنه أقدم على إصدار المرسوم الجمهوري بمنح رئيس وأعضاء مجلس النواب تلك الحقوق مقتنعاً بها، فإنه يشكل كارثة ومحنة حقيقية، وإن كان قد تم تمرير القانون عليه دون أن يدري فتلك الكارثة الأكبر .
ومع انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بانتهاء مدة مجلس النواب، إلا أن رئيس الجمهورية يبقى مستمراً بعمله لحين انعقاد جلسة مجلس النواب ولغاية ثلاثين يوماً لانتخاب رئيس جديد للبلاد .
ولعل انكشاف الأمر وانتشار رائحة الفساد هو الذي دفع رئيس الوزراء بعد أن كان ملتزماً الصمت الى الطعن بتلك الفقرة من القانون أمام المحكمة الاتحادية العليا والتي أوقفت تنفيذ المرسوم الجمهوري حتى صدور الحكم الخاص بهذه القضية .
إن المحاصصة السياسية التي أضرت بمسيرة العراق ولم تزل مستمرة عرّضت العراق ولم تزل الى خروقات دستورية وقانونية وتهميش لحقوق ومصالح واستخفاف بالشعب من قبل جميع عناصر تلك المحاصصة التي وضعت منافعها ومكاسبها فوق مصلحة العراق، وساهمت بذلك جميع العناصر السياسية التي تتحمل مسؤولية الحكم في العراق، ولعل السبب يكمن بالأساس في ضعف الأيمان بقضية بناء الدولة لدى هذه النخب، وعدم معرفتهم أو إيمانهم بفصل الحقوق والحريات في الدستور والقوانين.

المزيد من الأخبار