مقالات

نافذة من موسكو.. إنتظار غير مجدٍ من بغداد لعطايا المانحين لتطبيع الوضع الإنساني!

د. فالح الحمـراني 31 / 07 / 2018 

عدم استقرار الوضع في العراق بعد الانتخابات البرلمانية في شهر أيار الماضي، واتساع الاحتجاجات الجماهيرية في عدد من المدن العراقية ارتباطاً باستشراء الفساد وتدهور المستوى المعيشي وانعدام الماء الصالح للشرب وانقطاعات الكهرباء ورداءة الخدمات الصحية والتعليمية والتلاعب بعوائد النفط (يصدر العراق 3.5 مليون برميل في اليوم ما يعني أن إيراداته تبلغ ما معدله 250 مليوناً في اليوم الواحد، ولا يستفاد السكان منها)، هذا ما أضاف المزيد من الغموض بشأن خطط الحكومة في المجال الإنساني.*
وفي الوقت نفسه تبدو الحكومة عاجزة، أو إنها لا تروم تغيير سياستها الاستثمارية وتوجيهها نحو المهام الستراتيجية لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني وحل المشاكل العالقة، وإنها وكالسابق تعقد الآمال على تمويلات المانحين الأجانب لحل مشاكل الوضع الإنساني. لكن عدم شفافية النظام الاقتصادي وارتفاع مستوى الفساد يحولان دون تبنّي الحكومة قرارات ستراتيجية بشأن الاستثمارات في الاقتصاد.
وبرغم تناقضات الإحصاءات والتقارير حول الوضع الإنساني في العراق يمكن استخلاص أن تطبيع الحالة الإنسانية حتى منتصف هذا العام سارٍ بمستوى ثابت.
وكما ذكر خبراء منظمة إدارة المعلومات وإزالة الألغام الأرضية (Immap) غير الحكومية، فقد تزايدت في الأشهر الماضية حدة الحوادث في مجال الأمن التي ارتفع تكرارها من 339 حادثاً في كانون الأول من العام الماضي إلى 485 حادثاً في يونيو/ حزيران 2018. بيد أن طابع هذه الحوادث يخف اكثر فأكثر وخطر أغلبها يعود إلى تبعات العمليات القتالية واسعة النطاق في المرحلة الماضية، وليست كونها مؤشراً على تصعيد جديد للنزاع، وبالتالي نشوب أزمة إنسانية. ويرجع نصف تلك الأحداث تقريباً، لغاية يومنا الحالي، إلى انفجار الألغام والمواد المتفجرة المتروكة، وتشكّل نسبة حالات المواجهات المسلحة المباشر أقل من 10 % .
والمؤشر المهم الآخر لتطبيع الحالة الإنسانية في العراق هو تقلص عدد النازحين داخلياً. فمنذ بداية نزاع الحكومة المسلح في 2014 مع داعش الإرهابي، بلغ عدد المشرّدين داخلياً رقماً غير مسبوق بـ 6 ملايين شخص. وفي الوقت نفسه بلغ عدد العائدين لديارهم من بين النازحين داخلياً في حزيران 2018 حوالي 3.9 مليون. واللافت أن 97 % أي الغالبية العظمى منهم تمكّنوا من العودة إلى أماكن إقامتهم.
وفي الوقت ذاته لا يُبدي الخبراء التفاؤل تجاه تقلص حجم النازحين داخلياً على المدى المتوسط. وبرأيهم أن دينامية التقلص حتى نهاية 2018 ستنخفض، بسبب أن النازحين داخلياً الذين لم يعودوا إلى منازلهم حتى الآن لم يجدوا الأساس الجدي للعودة. وعلى وجه الخصوص ووفقاً للدراسة السنوية للعراق التي جرت في بداية حزيران من السنة الحالية برعاية منظمة الهجرة العالمية، إن العائق الأساس أمام عودة النازحين داخلياً يكمن في مشاكل ذات طابع طويل الأمد، والتي لا يمكن حلّها اليوم، ويتطلب حلها استثمارات كبيرة. ومن بينها دمار المجمعات السكنية وبالتالي عدم وجود سكن (26 من الذين جرى عليهم الاستطلاع) أو عدم وجود عمل، أو فرصة الالتحاق بعمل للحصول على مدخول منتظم (25 %) أو عدم وجود ظروف أمنية ملائمة في هذه المناطق (18 %). وبالمحصلة فإن 30 % من إجمالي عدد المتبقين من النازحين داخلياً وعددهم 2 مليون شخص، يخططون من حيث المبدأ العودة إلى أماكن إقامتهم الدائمة في غضون الستة أشهر المقبلة. ولا يخطط 37 % للعودة، نظراً لأنهم اندمجوا بشكل واعٍ في المجتمع المحلي، أو أنهم كانوا مجبرين على القيام بذلك، لأنهم لا يثقون بظهور خيارات ملائمة لعودتهم إلى منازلهم ومناطق سكنهم السابقة.
واللافت إن غالبية النازحين العراقيين داخلياً يشيرون، عندما يُطرح عليهم سؤال عن متطلباتهم الرئيسة لاستعادة الحالة الإنسانية والتغلب على صعوبتها، إلى ضرورة تأمين فرص العمل ووسائل العيش (للحصول على مدخول ثابت). ويشار أيضاً إلى مراعاة حقوق الإنسان وحرية التنقل كأمور ملحّة، بيد أنها تتراجع إلى المرتبة الثانية على خلفية الأولويات المبينة.
وتجدر الإشارة إلى أنه وعلى الرغم من انتهاء عمليات نزوح العراقيين الجماعية نتيجة للنزاع المسلح، تنشأ في مختلف المناطق بشكل دوري أوضاع معقدة. على وجه الخصوص استمرار تنقل العراقيين في شمال العراق (بالدرجة الأولى من محافظة نينوى) ويكتسب هذا طابعاً ثابتاً ومنتظماً. إن هذا التوجه يتطلب الاهتمام المستدام، وبخاصة في فصل الصيف حينما تصل درجة الحرارة إلى 50 درجة، مما يجعل هذه الشريحة في وضع لا يُطاق.
ومن الواضح أن المشاكل الإنسانية الهيكلية في العراق ستبقى في العراق على المدى المنظور. إن تمويل المشاريع طويلة الأمد هو العامل الرئيس للتغيرات النوعية في المجال الإنساني. وفي الوقت ذاته إن اهتمام وانتباه المانحين الأجانب ينخفض موضوعياً بالتزامن مع استقرار أسعار النفط وتنامي مصادر المدخول الوطني. وفي هذا السياق تم في عام 2018 تمويل 55% فقط (تم تسلّم 313 مليون دولار بينما المطلوب 569) من برنامج منظمة الأمم المتحدة لمساعدة العراق في المجال الإنساني، وان هذا يشهد على أن بغداد لا تنتظر تسلم المبالغ الكبيرة المُعلن عنها، وسيجري في العام الحالي سد 50- 60 % من إجمالي الاحتياجات في إطار البرنامج الإنساني.

* اعتمدت المادة على عدة دراسات نُشرت بالروسية عن الموضوع

المزيد من الأخبار