مقالات

أزمة تدهور المؤسسات وغياب قدرة القيادة والسيطرة

د. حيدر نزار السيد سلمان 24 / 06 / 2018 

لا تظهر السلطة السياسية الحقيقية الفاعلة من خلال المؤسسات والآليات البيروقراطية المستخدمة كأدوات ووسائل للحكم، بل في ما تنطوي عليه هذه المؤسسات من رصانة وقوة وقدرة على الأداء البيروقراطي ذي الشمولية والكلية في التنفيذ، ويمكن التعبير بدقة عن مفهوم السلطة ومعناها العلمي كونها: القدرة عند جماعة أو شخص لإصدار القرارات والأوامر التي تجري أطاعتها وتطبيقها من قبل المؤسسات والبيروقراطية الإدارية بما يتناسب مع فلسفتها الوظيفية وواجباتها العملية، كما يخضع لها الكل الاجتماعي ضمن نطاق الشعور إن السلطة هدفها الخدمة العامة، ولعل هذا التعريف الذي يتفق عليه أكثر المنظرين السياسيين -من روسو، فيبر، وبجزء منه مونتسيكو- يُعد الرأي الأكثر عقلانية ومواءمة مع المؤسسات في الدولة الحديثة، في الحالة العراقية التي تتردى فيها الخدمات العامة وتتدهور البيروقراطية الإدارية وآلياتها إلى أدنى المستويات تبدو القضية أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا اعتمدنا رأي (صموئيل هنتغتون) في قوة السلطة والحكم باعتبارها تعود إلى فاعلية النظام والمؤسسات وغايتها الأساسية وليست طبيعته الإيديولوجية، فالهدف هو الفاعلية المترتبة على عمل المؤسسة وشموليتها الكلية وهو ما يثير التساؤل عن إمكانية القول بوجود مؤسسات عراقية تتمتع بالسمات المذكورة أعلاه مثلما يظهر التساؤل الأكثر إرباكاً عن قيمة وماهية القيادة والسيطرة في الحالة العراقية الحالية، من خلال المقاربة التطبيقية تولد استنتاجات إن ما يظهر لنا من خلال النظرات العيانية المشاهدة والملاحظات العابرة السريعة لتدهور الخدمات العامة وتراجعها ((ضعف في التزود بالطاقة الكهربائية، تردي العمل البلدي، ارتفاع واضح في الجرائم ذات الطبيعة الاجتماعية، ناهيك عن الإرهابية، خمول وتراخي للعمل المؤسساتي والإداري … وغيرها)) كل هذه المظاهر ما هي إلا أعراض لجوهر يتخفى وراء هذه الظواهر ويتستر خلف حجاب بصري وانفعالي يمنح رؤية مخادعة عن وجود دولة بمؤسسات وأدوات عمل وآليات تنفيذية، غير أن الحقيقة العراقية المختفية يمكن تلمسها ببصيرة ناقدة ((العقل، الإحساس)) تكتشف هذا الجوهر المختفي بحقيقة عدم وجود نظام مؤسساتي وإداري بعقيدة تؤمن بالواجب وبفلسفة وظيفية تتمحور حول الأداء المتقن ذي الغايات الخدماتية الاجتماعية، لنجد كل هذا التدهور والتراجع والكسل كأعراض لانهيار في البناء المؤسساتي جسداً وروحاً ليتمازج مع فقدان واضح للقيادة والسيطرة أنزاح ليقيم نظاماً متخلفاً في خاصية التحدي والاستجابة التي تشكل الأساس الفلسفي لعمل الجهاز الإداري بهيكليته المؤسساتية. فأمست العلائق الحلقية والتراتيبية شبه مقطوعة، مسببة رفضاً مرة وممانعة مرة أخرى أو تكاسلاً أحياناً في الاستجابة من أدنى إلى أعلى لقرارات وأوامر وتعليمات يصدرها رئيس الوزراء أو من أدنى مرتبة في السلم الوظيفي إلى من هُم في الاقسام الدنيا ضمن التراتيبية الإدارية تذوب في فوضى الرفض الإعاقة والخمول، لتسود حالة من الإرباك والتناحر الإداري والتناقض بالتعليمات والرؤى. وهنا تصبح القيادة والسيطرة غائبتين ضمن سلسلة إدارية مؤسساتية متراخية وضعيفة لا تستجيب للأوامر والتعليمات بما يشابه العمل البدائي، وتبرز حقيقة هامة هي إن لا رأي لمن لا يطاع ممتدة كثقافة من أدنى إلى أعلى يدفع الناس جرائها، وخصوصاً البسطاء منهم، إثمان باهظة سواء بانشغالهم بقضايا مزعجة مثل المراجعات للحصول على البطاقة الموحدة وسط حشود من المراجعين، أو إهمال تقديم الخدمات الحياتية اليومية كالكهرباء والماء وتخلف مريب بالإشغال البلدية، وحتى لا يكون الحديث تجريداً وكلاماً عابراً نشير الى مثال للتردي إذ كانت دائرة الجوازات تصدر جواز السفر للراغبين من المواطنين بيوم واحد مقابل رسوم بسيطة، وبدل أن تقلل هذه الدائرة من اجراءاتها لإصدار الجواز وبوقت أقل، فاقمت هذه الإجراءات حتى أصبح من العسير الإصدار بيوم واحد، ومن يرغب الحصول عليه في يومه يمكن له ذلك مقابل (250) ألف دينار عراقي غير الرسم المالي الذي يودع بمصرف لحساب هذه الدائرة، ولعل هذا المثال يغنينا من عشرات الأمثلة التي تؤكد التدهور الخطير في عمل مؤسسات الدولة والإدارات البيروقراطية وآليات التنفيذ، يضاف إلى ذلك الامتناع عن الاستجابة والطاعة لقرارات تصدر من أعلى إلى أسفل في الهيكلية المؤسساتيّة، ربما تكون عند الباحث النبه لحركة المؤسسات وآلياتها تصورات عن وجود قصدية في العرقلة أو بث روح الكسل والخمول والتراخي. لكن في الحالتين سواء كان الأمر مقصوداً أو لا فإن البيروقراطية الإدارية والنظام المؤسساتي يمنحان قدرة الحكم؛ إن الدولة لم توجد بعد في هذا البلد وما يمكن رؤيته والإحساس به لا يتعدى المظاهر المخادعة التي تروج لها الدعاية من خلال نشاطات وإبداعات إعلامية وجهود هي في حقيقتها أعمال روتينية عادية يجري الترويج لها للحفاظ على هيبة المؤسسة أو الجهاز الإداري الكسول المتراخي. ومن جانب آخر تتم الإطاحة بأوامر وتعليمات من يتربعون في أعلى السلم الإداري والوظيفي في النظام بسهولة وعدم الخشية من عقوبات الإهمال أو عدم التنفيذ من موظفين ضمن التراتبية المؤسساتية ويتدرع هؤلاء الموظفون ومنهم بدرجة وزير أو مدير عام بدعامة حزبية تسنده أحياناً لأغراض عدائية ومصلحية وأحياناً لأسباب في الاختلاف الآيديولوجي بين الرئيس والمرؤوس، وهنا تفقد المؤسسات التي يقع عليها الوزر، بتنظيم العمل الحكومي وإدامته بإبعاده الخدماتية والتنظيمية آليات نشاطاتها وحركتها لنعود بالتالي إلى ما أشرنا إليه من أعراض هي في أصلها صورة عن جوهر يتمثل بتخلف وتراجع للدولة ودورها حتى في مجال حقها الشرعي كمالك وحيد لقوة القسر والإكراه كما يراه ((فيبر)). إذ تنافسها عدة أطراف مسلحة في هذا الحق.
وباختصار:- إن النظر بالنظر برمشة جفن سريعة للظواهر والأحداث لن ينفع في إدراك الحقيقة المخيفة وجوهر الأحداث وما يقبع خلف حجاب الظاهرة. فلا بد من دور البصيرة لاستكشاف المخفيات وما يحدث أصلاً وفعلاً لاكما نراه بعين الجسد كحاسة عضوية وليست استنتاجية أو استقرائية، لنطبق على ما يحدث، ليس هنالك أزمة كهرباء أو انعدام خدمات أو فوضى عارمة بكل شيء، فكل هذه الظواهر أصل لصور انهيار مؤسسات الدولة وضعف قيادتها وفقدانها لسلطة الطاعة وفقدان لقدرة القيادة والسيطرة، فما يصدر من تعليمات وأوامر لا تنفذ بل تبقى مجرد توجيهات مع إصابة الجهاز الإداري للدولة بالكسل والخمول وغياب روح الوظيفة والواجب وهشاشة البناء.. وفي هذه اللحظة يطرح سؤال ما هو العمل الضروري لتدارك الخطر؟

المزيد من الأخبار