مقالات

إلى أين نتجه؟

د. أثير ناظم الجاسور 12 / 06 / 2018 

ما إن بدأت أزمة الكهرباء تشغل تفكير المواطن العراقي وارتفاع درجات الحرارة التي لا تحتمل في ظل انقطاع مستمر لهذه الطاقة، والتي عدّها كارثة لأنها تؤثر في نشاطه اليومي وما لها من آثار سلبية على حياته، حتى قفزت كارثة أنسته معاناته مع الكهرباء وانقطاعاتها المستمرة، لا بل شُلّ تفكيره ليتوقف عند حافة العطش وهو يقلّب في ذاكرته سؤالاً مُلحاً لا يستطيع أن يجد له جواباً، ألسنا نحن بلاد الرافدين؟ لكن الجواب جاء على غير ما يشتهيه فهو اليوم مهدد بأهم عنصر للحياة، قد نكون مهولين لهذه المصيبة وهناك تضخيم إعلامي لما يدور حول هذه القضية المهمة، لكن بالمقابل لا نستطيع أن نتغافل عن كارثة ستحل بالمواطن تهدد حياته لأننا هنا لا نريد فقط مناقشة مسألة العطش لارتباط المياه بالتفاصيل الأخرى من الحياة والقطاعات وأهمها الزراعي.

أما عن السد التركي”أليسو”فهو ليس بجديد لبعد التخطيط التركي لإنشائه مع تعاقب الحكومات العراقية التي لم تجد لها حلولاً جذرية لأزمة المياه مع تركيا ولا حتى مع ايران التي أغلقت الزاب وجفّفت فروعه، في البداية وهذا متعارف عليه في العلاقة ما بين الدول، أن كل دولة تبحث عن مصالحها وفق تخطيط ستراتيجي بعيد المدى مبنيٌ على مجموعة من الخيارات لتحقيق مصلحة قومية أو وطنية باختلاف المسمّى، والسدود التي تحاول تركيا بناؤها لتخزين المياه ترى الأخيرة هي تصب في مصلحة تركيا والشعب التركي، بالمقابل كان من الأجدر على الحكومات المتعاقبة على العراق أن ترى بعين الاهتمام أن هذا المصدر المهم يجب المحافظة عليه، وهنا لا أقصد فقط حكومات ما بعد 2003 لأن أزمة المياه والتهديد بها لم يكن وليد هذه المرحلة وإنما طيلة فترة تأسيس الدولتين ونحن نشاهد ونسمع بين الحين والآخر أن سدوداً تركية ستُبنى وتحرم العراق من المياه وهذا هو الجانب النظري من المشكلة، أما الجوانب الواقعية فتقول إن سد”أليسو”انشئ والأتراك قاموا بإغلاق بوابات هذا السد لغرض ملئه بالمياه وهذا ما يؤدي الى حرمان العراق من حصته بما يقدر 9.7 مليار متر مكعب، أي حرمان ثلثي الأراضي العراقية حسب ما نشر من تقارير، وبهذا بالتأكيد ستتضرر الزراعة بشكل كبير إلى جانب ضرر المواطن.
كان الأجدر أن يكون هناك عمل جاد طيلة هذه السنوات على ايجاد حلول حقيقية ومنطقية لقضية المياه التي تم التحذير منها من قبل سنوات حتى أنه لا يخفى عن الجميع كان الحديث بشكل أدق عن حرب المياه التي تُعد واحدة من حروب هذا القرن، والتحذيرات هذه كانت مصحوبة برغبة تركية في بناء سدودها المصحوبة بحجة أن العراق لم يستثمر حصته بالشكل المطلوب على اعتبار المياه تخرج من المنبع وتذهب لشط العرب دون استثمار، بالمقابل أيضاً إهمال حكومي من قبل العراق لانشغالات بعيدة عن هذه القضية الحساسة التي لم يعر لها صانع القرار أي اهتمام بل لم تكن من ضمن اهتماماته أصلاً، بالتالي بقي العراق أسير مشاريع دول الجوار التي بين الحين والآخر تهدده بأمنه وسلامته وحياة مواطنيه، ناهيك عن تبديد الأموال التي كان من الممكن استثمارها لإنشاء السدود وايجاد البدائل التي تحمي الجميع من كوارث كهذه.
في الحقيقة لم تكن هذه القضية الأخيرة ولا نهاية للأزمات طالما هناك من يخشى على سلطانه من الانهيار، ففي خضم هذه الأزمة التي من الممكن تجاوزها بأقل الخسائر كان البرلمان يجتمع لقضية لا علاقة لها بحياة المواطن كان البرلمان والبرلمانيون منشغلين بمفوضية الانتخابات وإعادة الفرز، كان البرلمانيون منشغلين ببدائل إبقائهم في السلطة جاثمين على صدور العراقيين إلى أبد الآبدين، كانوا منشغلين بقضية كانوا هم السبب المباشر بها ولغيرها من الكوارث التي حلّت وستحل على العراقيين، بالتالي نحن لا نحتاج إلى مفاوض يدير لنا شؤوننا الخارجية ولا لقوة عسكرية تهدّد هذا الجانب أو ذاك بقدر ما نحتاج إلى حكومة قادرة على الشعور بالمسؤولية واحترام الانسان والعمل لأجله، والدول سواء كانت جوارنا التي لا تترك مناسبة لتدميرنا ولا دول العالم أجمع سوف تضعنا في موضعنا الصحيح إلّا بعد أن تشعر أن قرارنا وتوجهاتنا حتماً تصبّ في مصلحة بلدنا.

المزيد من الأخبار