مقالات

أوهام شائعة

حسين الصدر 12 / 06 / 2018 

– 1 –
يُخيّلُ لشرائح واسعة من المجتمع ، أنَّ من يملك زمام الحكم ، ويسيطر على دفّة الأمور ، ينعم بأحسن العيش وأرضاه ، ويستطيع أنْ يوّفر كل ما يحتاجهُ من وسائل الراحة ، حيث لا يتعذرُ عليه شيء منها …وبالتالي فهو الذي يرتشف كؤوس السعادة بعيداً عن كل ما يكّدر صفوها .
وهذا التصور وَهْمٌ محض ، لأنَّ من له الغُنْم عليه الغُرْم ، فبمقدار عظم المنصب تعظم المسؤولية ، وقد تكون بما تتطلبه من مساعٍ وجهودٍ ، مساوقة للتعب المضنِي الشديد ، المقرون بالقلق والهواجس المرعبة …
وهذا مالا يعرفه البعيدون عن السلطة ..

– 2 –
إن الشاه المقبور ، أمر بتفتيش زوجته قبل دخولها الى غرفته، ومعنى ذلك انه أصبح يشك بأقرب الناس اليه .
وهذه طعنة نفسية في الصميم .
وإذا كان السلطويون يشكّون بأقرب الناس إليهم ، فما قولك بالبعيدين عنهم، ممن يتولون شؤون الجيش والأمن والمخابرات وسائر المفاصل المهمة في الدولة ، ابتداءً بالاقتصاد وانتهاءً بالصحة والتعليم …

– 3 –
ولا يختلف في هذا الحكّام المعاصرون عن أسلافهم من الحكّام السابقين فلقد حكم (الناصر الأموي) – كما ذُكر ذلك في نفح الطيب – خمسين سنة وكانت أيامه أحسن الأيام ، وحين أراد احصاء أيام سَروره ، والتي كانت صافية من الشوائب والأقدار لم تكن إلا (14) يوماً فقط ..!!

– 4 –
النسيان وحده هو الذي يجعل اللهاث وراء السلطة مستمراً دون انقطاع جيلاً بعد جيل ، والاّ فان التدقيق في سِيَرِالسلطويين والالمام بتراجمهم وأحوالهم، يورث الاطمئنان أنّهم يعانون من أهوال الانقلابات والمؤامرات التي تودي في كثير من الأحيان بحياتهم …
وفي دول العالم الثالث قلّ من ينجو منهم ..!!
وقلّ من يكون من أمثال الفريق (سوار الذهب) السوداني ، الذي سلّم السلطة ليتيح التداول السلمي لها من دون مشكلات وكوارث .

– 5 –
علماء الاخلاق يوصون بأن ينظر المرء الى مَنْ هو دونه، ولا ينظر الى من هو فوقه، وإذا نظر الى من هو دونه ،وجد الله سبحانه قد أنعم عليه بنعم كثيرة، وفضّله على غيره من الناس فيشكره ويستقر ..
أما إذا نظر الى من هو فوقه فانه قد يحسس بأنه محروم مظلوم .
والجديد الذي نريد التأكيد عليه الآن :
إن النظر الى السلطويين وهم في المراتب العليا من السلطة ، لابُدَّ أن يحمل العقلاء على المزيد من شكر الله وحمده حيث جنّبهم ما يعيشه السلطويون من احتقانات وأزمات نفسية مستمرة .
وأخيراً :
إنّ على المسؤولين أن يتذكروا أنّ هناك حساباً عسيراً ينتظرهم يوم ينادي المنادي :
( وقفوهم انهم مسؤولون )
فكلُّ المظلومين – في أيامهم – سيكون لهم الحقّ في مقاضاتهم، على ما حلّ بهم ، والمحكمة الإلهية عادلة، لا تُسقطُ ذرةً من الاساءة والتعدي على حقوق أي إنسان …
فكيف يتاح لهم أن يعبروا الى ضفاف السلامة والأمان والنجاة ؟

– 6 –
حفظ لنا التاريخ ما قاله عمرو بن العاص لولده حين حضرته الوفاة ، فقد جاء في تاريخ اليعقوبي ج2 / 222 إنه قال لابنه :
(لودّ أبوك إنه كان مات في غزاة ذات السلاسل أني دخلتُ في أمور لا أدري ما حجتي عند الله فيها ، ثم نظر الى ماله وكثرته فقال ياليته كان بعراً، ياليتني متّ قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، أصلحتُ لمعاوية دنياه ، وأفسدتُ ديني، آثرت دنياي وتركتُ آخرتي، عمّي علي رشدي / حتى حضرني أجلي، كأنيّ بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي)
وهذا هو الخسران المبين .

المزيد من الأخبار