مقالات

ثقافات البشر: ألوان ورموز

لطفية الدليمي 20 / 05 / 2018 

تنطوي ألوان الملابس و أشكالها وطرزها على دلالات رمزية وواقعية منذ عصر الكهوف وفي ظل العيش ضمن المشتركات البدائية حتى اكتمال الحضارات الأولى والعصور الوسيطة وصولا إلى عصرنا الراهن ، وقد أضفت السلطة والثروة قدرا كبيرا من الدلالات على الثياب التي يراد عبرها توصيل إشارات معينة عن نمط الزي وأغراضه حتى شكلت نوعاً من لغة رمزية تفصح عن أشياء كثيرة تتعلق بالطبقات والمهن المختلفة ؛ فتحدد منزلة كهنوتية أو طبقة اجتماعية أو مهنة ما ، وهكذا نحكم على المستوى الطبقي لجمع من الناس في فلم سينمائي إذا وجدناهم يرتدون الأبيض والبيج – وهما لونان من بقايا العصر الكولونيالي – يشيران إلى طبقة مترفة متبطلة لادور لها سوى الاستمتاع باليخوت والمنتجعات والحفلات بينما يقوم عاملون كثر بخدمتهم ، وقد تحدد الثياب هوية شعب ما كالساري الهندي والكيمونو الياباني والثوب العربي،أو قد تمثل عقيدة ما كملابس رجال الدين .
يشير اللون الأحمر الى ملابس المحكومين بالإعدام و والبرتقالي لسجناء غوانتانامو ، لكننا سنميز بينهم وبين رهبان بوذيين حليقي الرؤوس يتلفعون بأردية من نسيج زعفراني فضفاض ، وسنعرف مكانة رجل الدين المسلم وطائفته من طراز عمامته ولونها ولطالما أوحت لنا الكوفية الفلسطينية بموقف سياسي يرمز الى المقاومة مثلما تشير البيريه السوداء بالنجمة الحمراء الى الثوريين الجيفاريين.
تحدد الثياب الحديثة بطرزها أو طولها أو قصرها سلسلة من الرموز والمعطيات المترابطة التي تقلق بعض أنواع السلطة الأبوية أو سلطة الحاكم أو الكاهن ؛ فيتصدى بعض المتسلطين للتدخل في الخيار الفردي وحين يستولي مالكو السلطة على الفضاء العام يحددون الحريات الشخصية ويتحكمون بالأفراد وكيانهم المادي وحركاتهم و يحولون بينهم وبين حرية التصرف بحركة الجسد والثياب على وفق ماتستدعيه متطلبات الحياة المعاصرة وبيئة العمل والدراسة التي تحيل إلى إنتاج معان ومفهومات مستجدة كل آن.
تنبهنا فيرجينيا وولف الى الدور النفسي للملابس في روايتها ( أورلاندو )؛ فتتحدث عن دور الثياب في خلق مفاهيم معينة حول أنوثة من يرتديها أو ذكورته أو طبقته الإجتماعية ، وتؤكد علاقتنا – كبشر متحضرين – بطرز الملابس ورمزيتها ودلالات الألوان التي تعكسها للآخرين ، تقول ( .. تغيير الملابس له علاقة كبيرة بما جرى كما سيقول الفلاسفة ، ورغم أنها تبدو كأشياء تافهة تبعث على الغرور إلا أنها تغير من نظرتنا الى العالم ونظرة العالم إلينا.. )
في الصين اكتسب الاصفر – لون النور والشمس – قيمة مقدسة فكان يخصص للأباطرة والملوك ، ثم صار الصينيون – بعد أن سمح باستخدام الأصفر للعامة – ينصحون بأن تكون ثياب العروسين وأغطية السرير مصنوعة من الحرير الأصفر لكي ينجبا الأولاد الذكور فتحول بذلك لون الغطرسة السلطوية الى رمز للفرح والخصوبة والعلاقة الجنسية بين العروسين .
وعادة مايعتبر الأبيض لون الصفاء والعذرية وتعتمده شعوب عدة رداءً للحداد بينما يتخذ الأسود لدى شعوب أخرى لوناً للحزن ، ويرى البعض في الأزرق لونا للحكمة والسلام ويبقى الأحمر لدى مختلف الثقافات رمزا للقوة والحظر والخطورة والعشق حتى اتخذه العشاق رمزا ليومهم في 14 شباط من كل عام ،ويختص اللون البرتقالي بالطاقة والطموح والحماسة وسعة الخيال ، ويعد البعض اللون البنفسجي لونا روحانيا مفعما بالغموض والأسرار المغلقة ، بينما تصف الأساطير الرافدينية الألهة عشتار بالسيدة الخضراء لكونها واهبة الحب والخصوبة والنضارة ؛ فهي الأم والأنثى العاشقة المتفتحة للحياة والملذات ومانحة الخصب والتجدد وإليها نسبت عملية الإنبات والازدهار ونضج الغلال.

المزيد من الأخبار