مقالات

مفهوم (التطهير) في التراجيديا

سامي عبد الحميد 8 / 05 / 2018 

في كتابه (فن الشعر) يعّرف (آرسطو) التراجيديا على وفق هدفها محاكاة (كفعل جاد) واللغة واسطة له وتقديمه من قبل ممثلين، وعبر عاطفتي الشفقة والخوف وصولاً إلى عامل التطهير – تطهير العواطف وهنا تتكرر الأسئلة حول معنى (التطهير) وكما يلي: (1) هل التطهير عملية علاجية للممثل بمثله؟ إذا كان الأمر كذلك فهل يعني أن الجمهور يُقدم على مشاهدة التراجيديا لحاجته إلى العلاج؟ (2) هل الشفقة والخوف العاطفتان الوحيدتان اللتان تساهمان في التطهير التراجيدي، أم هما ممثلان للعاطفتين؟ (3) هل تكمن العاطفتان اللتان يتم تطهيرهما لدى المتفرج أم كونها كافيتين في بنية المسرحية؟ (4) هل التطهير هدف للتراجيديا أم هو واسطة تحقق التراجيديا به هدفها؟ (5) هل يتحقق التطهير بالمشاهدة المباشرة للأحداث المثيرة للخوف والشفقة أم بواسطة التمثيل الفني لمثل تلك الأحداث؟ التفسيرات كثيرة ويمكن تصنيفها على الوجه الآتي:
أخلاقياً، من وجهة نظر (جيرالدي سنثبو) في القرن السادس عشر فأن التراجيديا تطهّر عقول السامعين من رذائلهم عن طريق الخوف والشفقة وتجبرهم على تبني الخلق الحميد.
نفسياً، في آواخر القرن التاسع عشر ظهر تفسير شائع للتطهير على أنه عملية عاطفية بل تنفيس علاجي. وفي اراء علماء النفس وعلماء الأجتماع فأن الدراما وخصوصاً التراجيديا تُذكر كقرينة للطقس ووسيلة لأضعاف العاطفة وكتمها وتكون النتيجة إما عطباً خاصاً أو كَرَباً جمعياً يمكن ـ تأمين مواجهته والسيطرة عليه.
ذهنياً، في القرن العشرين كانت هناك جهود عديدة لتفسير التطهير كونه توضيحاً عقلياً للأحداث المكتومة والتي تظهر بأدراك جديد من قبل الجمهور! وحالما يتم فهم الشخصية التراجيدية الرئيسية وهي مذنبة فأن المتفرج سيتحرر من شفقته وخوفه عليه.
بنائياً، لعل أكثر التفسيرات جدلاً للتطهير هو التعامل معه كونه عنصراً ضرورياً للتراجيديا يخص العواطف التي تطورها حبكة المسرحية ويذكر بعض من المفسرين بأن التطهير يحتوي على تنقية الفعل التراجيدي القذر بواسطة ممارسة الشخصية الرئيسية جهله لطبيعته الحقيقية. وبالتالي للشفقة عليه وليس لإدانته.
برأي (ماري إلياس وحنان قصاب حسن) في المعجم المسرحي أن التطهير الأرسطو طالي وفقاً لمناقشته (برتولد بريخت) لا يؤدي إلى الغاية المرجوة منه ولذلك أستبدل التطهير بالتفكير في الموقف المتناقض للشخصية الرئيسية ونقده من قبل المتفرج.
ويذهب (اوغستو بوال) صاحب (المسرح التحريضي) (مسرح المضطهدين) أبعد مما ذهب إليه (بريخت) معتقداً أن من مهمات المسرح أن يعمل وفقاً لمبدأ التطهير الجمعي وليس الفردي الذي يخص الشخصية الرئيسية في التراجيديا.
وبمعنى آخر وقوف المسرح ضد الاضطهاد والقسر وتخليص البشرية منهما. أما (أنطونين آرتو) فقد ناقش التطهير كونه عاملاً روحياً، وذلك عبر العودة إلى الطقس والطابع الأحتفالي حيث يشارك المتفرج الممثل في الفعل الدرامي وقد طرح (ارتو) التطهير بمنظور علاجي للمجتمع بأكمله وذلك لتقويض دعائمه الحالية وإرساء دعائم جديدة.

المزيد من الأخبار