مقالات

واقع البيئة في العراق.. تحديات ومعالجات تنتظر التنفيذ

د. جيهان بابان 8 / 05 / 2018 

تمثل التحديات البيئية التي تواجه العراق خطراً كبيراً يهدد الأمن الوطني والصحي والغذائي نتيجة تصاعد معدلات التلوث للماء والهواء والتربة والاختلال الكبير في التوازن البيئي ,أما التصدي لها ومعالجتها فهي مهمة جميع مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية ولا تقتصر فقط على وزارة الصحة والبيئة بل بالتنسيق مع جميع الوزارات الخدمية بحيث تؤدي كل منها دورها بمسؤولية عالية من خلال برامج واقعية ومؤثرة , من اجل بيئة نظيفة.
وما يعطي لهذا الموضوع أهمية آنية أن عدداً قليلاً جداً من آلاف من المرشحين للانتخابات البرلمانية في أيار 2018 الذي قدم برامج مشاريع انتخابية فعلية ولكن نجدها تخلو من رؤية لمعالجة واقع البيئة في العراق .
السؤال الأول ماهي مسببات هذا التدهور البيئي :
 1.هي امتداد للظواهر العالمية التي تهدد الكوكب الأرضي كالتصحر والجفاف نتيجة  الاحتباس الحراري والتغيير المناخي .
2.نتيجة  سياسات النظام السابق مثل  تجفيف الأهوار والمسطحات المائية وقطع الملايين من أشجار النخيل  و حرق آبار النفط في الجنوب  و استخدام السلاح الكيمياوي   .
3. الدمار الذي ألحقته  الحروب المتعاقبة وخاصة في استخدام اليورانيوم  المنضب  و نشر الألغام  و جرائم داعش كحرق آبار النفط وتدمير المناطق السكنية والبنى التحتية . لقد أصبح العراق حالة مميزة لدراسة تأثير الصراعات المسلحة على البيئة.
4. فشل نموذج الدولة العراقية  الجديدة بعد عام  ٢٠٠٣ في إقامة ركائز سياسة بيئية ذات طابع مؤسساتي , منظمة قانوناً وذات دور فعال في رفع مستوى التوعية المجتمعية ومعاقبة المخالفين والمتجاوزين على البيئة واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم مثل تجريف البساتين والتجاوز على الأهوار وإلقاء المخلفات الصناعية والكيمياوية في نهري دجلة والفرات والأمثلة عديدة.
5. النمو السكاني المتزايد في العراق الذي شكل قوة ضاغطة على الموارد الطبيعية والبيئة.
6. تفاقم مشكلة الملوحة وشح المياه نتيجة سياسات البلدان المجاورة وخاصة تركيا في إقامة سدود جبارة مخالفة للقوانين الدولية وإيران في تجفيف الأنهار والروافد مما قلل وبشكل خطير معدلات المياه التي  تصل العراق وستزداد سوءاً بعد دخول سد اليسو التركي في الخدمة .

 و تتجلى مظاهر هذا التدهور في الواقع البيئي كالتالي:
1. تزايد حاد في معدلات  تلوث الهواء والماء والتربة واستمرار تأثيرات التلوث الكيمياوي والاشعاعي والمساحات الواسعة التي تغطيها حقول الألغام .
2. الخلل في التوازن الإحيائي المتمثل في تدني الغطاء  النباتي  وفقدان البساتين والغابات تسبب تهديدات المخزون الوراثي  للبذور   وتدني الأنواع  الحيوانية البرية  و انقراض بعضها  وزيادة معدلات التصحر  و الجفاف والتي أحد مظاهرها حدة العواصف الغبارية والترابية  و الرملية . 
3. تأثيرات التدهور البيئي على الصحة العامة للمواطنين  كزيادة معدلات الإصابة الحادة والمزمنة بأمراض الجهاز التنفسي والقلب وانتشار الأمراض المعدية  كالكوليرا والتيفوئيد والدزنتري والأمراض الجلدية والسرطان والتشوهات الخلقية.
4. انتشار التلوث البصري والضوضائي وخاصة الآن في انتشار عشرات الآلاف من الإعلانات والملصقات الدعائية للمرشحين في بغداد والمحافظات الأخرى .
أما الهدف من هذه المقالة هو محاولة لرسم خارطة طريق  لتحسين واقع البيئة في العراق ونأمل أن تجد لها صدى في السياسات المعتمدة من قبل الحكومة الجديدة و بما ينسجم والخطط الاقتصادية والاجتماعية وإعمار المناطق المحررة   وتحسين البني التحتية وزيادة الغطاء النباتي وإيقاف امتداد التصحر والجفاف وإصلاح  الخلل في  التنوع الإحيائي ومراقبة ومعالجة مستويات التلوث بكافة أنواعها في الماء والهواء والتربة  و الربط السليم بين متطلبات الاستثمار في التنمية المستدامة  وإعادة إعمار المناطق التي دمرها الاٍرهاب والصراعات المسلحة وانعكاساتها البيئية  و استخدام الطرق والوسائل (لزيادة معدلات انتاج وتصدير النفط والغاز ) التي تحافظ على البيئة وصحة المواطنين  وأخيراً حماية المتطلبات والتوازن البيئي  في الأهوار والمسطحات المالية ومنع الإهدار والإفراط  بمكونات البيئة في العراق كالمياه على سبيل المثال وليس الحصر.
وفي الوقت الذي نؤشر على بعض الإنجازات والمبادرات إلا إنها مازالت لا ترتقي الى مستوى التحديات .
 
الاتجاهات العامة للتعامل مع  التحديات البيئية في العراق (المعالجات) :
1. رسم سياسات وسياقات  تعتمد على دراسات وتقييم علمي رصين للواقع البيئي في العراق  بالاعتماد على الدراسات والبحوث العلمية الرصينة التي تنشر في المجلات  العلمية والأكاديمية الدولية والعراقية وبناء قاعدة معلومات لما يصدر من بحوث وإطاريح عن البيئة في العراق  من قبل وزارة البيئة والصحة ووزارة التعليم العالي لتكون مرجعاً علمياً مهماً .
2. دراسة وتقويم عمل المؤسسات الحكومية المهتمة بشؤون البيئة  ومنها وزارة الصحة والبيئة  و بالاعتماد على المعايير المهنية والكفاءة  و الإنتاجية والجودة والنوعية   والتخلص من الترهل الإداري الذي هو عامل معيق في تنفيذ البرامج لتكون دوائرها مؤهلة فعلاً  للتعامل مع التحديات البيئية وعلى أساس خطط قصيرة المدى ومتوسطة وبعيدة الآماد
3. تشكيل لجنة وزارية عليا للبيئة في العراق تضم ممثلين عن الوزارات المعنية مهمتها رسم السياقات العامة وتقييم معدلات الإنجاز في تحقيق البرامج وتقدم تقاريرها الى رئاسة الوزراء .
4. الاستمرار في اصدار تقارير سنوية عن واقع البيئة في العراق من قبل وزارة الصحة والبيئة وأيضاً من قبل مجالس المحافظات  يتناول الإنجازات والمعوقات والأهداف العملية والبرامج الملموسة القادمة.
5. أن يقوم البرلمان العراقي وخاصة لجنة الصحة والبيئة بدراسة القوانين والمواد المتعلقة بالبيئة  و حمايتها في كافة المحافظات و على أساس الأولويات والسياقات المقرة لحماية البيئة وإعادة صياغة قانون خاص وشامل لحماية البيئة  و تشكيل محكمة متخصصة  في التعامل مع المخالفين والمتجاوزين  و أيضاً التصدي للفساد المالي والإداري والتنسيق مع وزارة الداخلية لتشكيل مفارز بيئية كجزء من الشرطة المجتمعية مهمتها رصد و القبض على المخالفين وأتباع الإجراءات وفق الضوابط القانونية .
6. تحديد  وتدقيق  نسب ومصادر  تلوث الماء والهواء والتربة وباستخدام أجهزة حديثة ومتطورة و إقرار سياسات للمعالجات الفعالة   ومنها  منع التلوث البيولوجي والجرثومي والكيمياوي كنفايات المعامل أو استخدام البنزين الذي يحوي على الرصاص  والتقليل من انتشار المركبات العضوية والدقائق  الترابية والغبار  مثلاً  نتيجة وسائط النقل ومعامل الطابوق  و المولدات الكهربائية   و الخلل في التعامل مع مياه الصرف الصحي وتنقية المياه ومع النفايات بشكل عام والصحية منها بشكل خاص واتباع لسياقات والاليات الحديثة لتدويرها أو التخلص منها وأيضاً نفايات البلاستيك التي تجد طريقها للأنهار .
7.  تحديد حقول الألغام في العراق والتخلص منها بالتعاون مع المجتمع الدولي والمنظمات المتخصصة في هذا المجال.
8. دراسة ظاهرة تصاعد العواصف الترابية والرملية وتحديث أجهزة المراقبة والتنسيق مع وزارة الصحة للتعامل مع آثارها الصحية الآنية والبعيدة المدى.
9. مراقبة مساهمة القطاع  النفطي  في زيادة معدلات التلوث في مراحل الاستكشاف والاستخراج والتصدير والتأثيرات على الصحة العامة للمواطنين الذين يعيشون على مقربة من الحقول المنتجة للنفط والغاز.
10. التعاون الوثيق مع منظمات الأمم المتحدة المعنية بالبيئة ومنظمة الصحة العالمية المشاركة الفعالة في الجهود الدولية للتصدي للاحتباس الحراري والتغيرات المناخية والاستفادة الفعالة من دراساتها واستنتاجاتها وتطبيقها بكفاءة وبالاستفادة من الخبرات العالمية والعراقية .
11. التعاون مع منظمات المجتمع المدني  الدولية والعراقية المختصة بالبيئة  و على كافة المستويات ودعمها مادياً ومعنوياً والارتقاء بها لحد أشكال الرقابة المجتمعية على الأداء البيئي للحكومة المركزية والحكومات المحلية كونها مكون أساس للمجتمع المدني في العراق
12. يبدأ الوعي في المحافظة على البيئة مع الطفل من خلال أسرته ثم مدرسته ورفع  مستوى الوعي البيئي في المدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد عبر تعديل المناهج الدراسية وتدريب الكادر التدريسي  وبالتعاون مع المنظمات العالمية كاليونسكو  ونقابة المعلمين البريطانية ( ناسوت) وإقامة معاهد تطبيقية متخصصة بالبيئة لإعداد كادر مهني عملي .
13. زيادة الوعي المجتمعي والترويج شعبياً  لأهميته ومتطلبات سلامة والحفاظ على البيئة كمسؤولية تقع على عاتق جميع المواطنين عبر برامج إعلامية  متخصصة .و يمكن مثلاً الاستفادة من المناسبات الوطنية كعيد الشجرة مثلاً أو العالمية كيوم الأرض في 22 نيسان أو البيئة العالمي في 5 تموز ويركز هذا العام على مشاكل التلوث البلاستيكي وسبل التغلب عليه وبهدف تحشيد الجهود الإعلامية على موضوعات لرفع مستوى الوعي المجتمعي البيئي .
14. إعطاء اهتمام خاص في مرحلة ما بعد داعش لإعادة إعمار البني التحتية والبناء العمراني في المناطق المحررة وضمان إشراك متخصصين بالبيئة وعلومها في مراحل التخطيط والتنفيذ  و التسليم للمشاريع .
15. تعتبر مشكلة شح المياه من أكبر المخاطر التي تهدد البيئة في العراق  بسبب انخفاض كم الموارد المائية  و التي تتطلب إدارة فاعلة وحكيمة للموارد المائية عبر ترشيد الصرف  ووقف الإهدار واستخدام الطرق الحديثة  و العناية بمخزون المياه الجوفية .و تعتبر المسطحات المائية والأهوار ثروة وطنية وعالمية  خاصة بعد إدراجها في لائحة التراث العالمي في 17/6/2016  الأمر الذي يتطلب تنفيذ الاستحقاقات المترتبة على الحكومة العراقية جراء تسجيلها  دولياً ومعاقبة المتجاوزين عليها  لأغراض تجارية واعتماد سياسيات ومشاريع سياحية ملائمة للبيئة ومنها الحفاظ على التنوع الإحيائي ومعاقبة الذين  يقومون  بالصيد  الجائر للطيور المهاجرة او الأسماك . إضافة الى تحسين وتعزيز السياحة البيئية في الأهوار والمناطق الأخرى.
16. معظم المشاريع الحكومية والخاصة ,الهندسية والكيمياوية  مثل معامل الإسمنت والأسمدة  و  الدباغة والجلود ومعامل الطابوق   لا تراعي متطلبات البيئة  من حيث اختبار موقعها  أو تصريف نفاياتها  التي اغلبها تصب في المحيط المائي  و الذي يتطلب فرض رقابة شديدة وإجراءات قانونية قاسية  ورفض تمديد أو إعطاء تراخيص إذا لم تراعي هذه المؤسسات متطلبات السلامة البيئة.
17. التلوث الإشعاعي من أخطر أنواع التلوث ،  الأمر الذي يتطلب سياسة علمية لإجراء المسوحات وبفترات زمنية محددة  للماء والهواء والمحاصيل الزراعية  و التربة خاصة في المواقع التي يتواجد فيها آليات عسكرية  من بقايا حرب الخليج الاولى والثانية   وتوفير الأجهزة الحديثة ورسم سياقات لمعالجة مصادر التلوث الاشعاعي وتبعاتها الصحية على المواطن العراقي .
18. مع تصاعد معدلات تهريب وتصنيع واستخدام المخدرات هناك تبعات بيئية وصحية لذلك خاصة في معامل استخدام المواد الكيمياوية لتصنيع المخدرات.
19. الاهتمام الجدي بدراسة ووضع مشاريع للطاقة البديلة والمتجددة واتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة ومنها الأنظمة والتعليمات لتحقيق التنمية المستدامة مثلاً مشاريع لتوفير الطاقة الشمسية وبناء محطات لإنتاج الطاقة الشمسية وتوليد الكهرباء واستخدامها في تحلية المياه وربطها بالشبكة الوطنية للكهرباء , إذ أن العراق ينعم بأشعة الشمس في معظم أيام السنة.
20. استخدام تقنية تحويل النفايات الى وقود ومنها النفايات العضوية ( تحويلها الى الوقود الحيوي الغازي) والنفايات الصلبة المنزلية ونفايات المصانع الصلبة والورق وتحويلها الى طاقة متجددة حرارية وكهربائية . واستعمال أحدث التقنيات كالتغويز للنفايات العضوية والانحلال والتكسر الحراري لمنتجات البلاستيك وتدويرها وتحويلها الى طاقة متجددة.
21. التواصل والتنسيق مع الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع الدولي لمعالجة التغير المناخي وظاهرة التصحر واتخاذ التدابير الفعالة المعتمدة دولياً . ويشكل ازدياد التصحر في العراق خطراً بيئياً جسيماً والذي يحتاج الى معالجات حاسمة وبالاستفادة من الخبرات الدولية
22. العمل على انشاء مدن صناعية مطابقة للمواصفات خارج الحدود البلدية لمدينة بغداد وبعيدة عن الأحياء السكنية للتقليل من ارتفاع في نسب التلوث الضوضائي. والمنع من انتشار المولدات القديمة التي لا تحتوي على كواتم الصوت أو تلك التي تسبب بارتفاع نسب التلوث الضوضائي
23. رفع أبراج الهاتف النقال من داخل المدن واستبدالها بأبراج خارج المدن أكثر أماناً.
24. الحفاظ على المظهر اللائق للمدن العراقية لكي تحتفظ بهويتها ومنع التلوث البصري كالأحياء السكنية العشوائية والشوارع الضيقة المتداخلة وأكوام القمامة المنتشرة في الأزقة التي تبعث على التشاؤم والحفر التي تملأ الشوارع والانفلات في النشر الإعلاني والصور واللافتات والتجاوز على الأرصفة وأعمدة الانارة العالية التي لا تتناسب مع الشوارع وغياب التناسق في التصميم والألوان ما يودي الى إصابة العين بتلوث بصري حاد ينعكس على التفكير والمزاج ويؤدي للإصابة بالكآبة والتذمر والسخط.

المزيد من الأخبار