مقالات

سعيدٌ مَنْ تكون أفكاره هي مهنته!

لطفية الدليمي 15 / 04 / 2018 

بابا علماء الرياضيات البريطانيين : هذا هو مايُلقّب به السير (مايكل عطية) المتحدّر من أصول عربية (من جهة أبيه) والمعروف بإنجازاته الرياضياتية المبهرة التي أهّلته للحصول على أهمّ جائزتين عالميتين في حقل الرياضيات: جائزة فيلدز وجائزة أبل؛ فقد ساهم الرجل بمساهمات ثورية في ميدان إيجاد أرضية مشتركة بين الرياضيات والفيزياء سعياً وراء نظرية المجال الموحّد الكبرى.
قرأتُ مؤخراً حواراً موسّعاً معه في إحدى المواقع الالكترونية المهمّة ، وكان من جملة ماإستوقفني ملاحظة ذكر فيها أنّه عندما بلغ مرحلة الدراسة الجامعية راح يقلّب الأمور فيما عساه يمكن أن يصلح له كمهنة مستقبلية: كان أبوه المزهوّ بتعليمه الاكسفوردي وثقافته الأرستقراطية يريد له دراسة الطب أو القانون في أكسفورد أو كامبردج ؛ لكنه كان يخطّط لغير ماكان يريد له أبوه. يروي السير (مايكل عطية) في ثنايا حواره الجميل كيف إختار الرياضيات لتكون ميداناً لدراسته الجامعية المقبلة لكون دراستها لاتستلزم سوى الأفكار والشغف وحزمة من الأوراق والأقلام فحسب ، ويؤكّد إنه أراد فرعاً معرفياً يتيح له التعايش مع أفكاره طول الوقت وليس بعضه فحسب ، ومن الجميل أنه يؤكّد على دور الأحلام في تشكيل العديد من أفكاره الرياضياتية المهمّة ؛ فهو يرى أنّ الأحلام تتيح للعقل التحرّر من قيود المحدّدات الفيزيائية البيئية والإنطلاق نحو عوالم حرّة غير مقيّدة.
ليست الرياضيات نسيج وحدها في كونها أفكاراً يمكن للمرء أن يتعايش معها في كلّ أطوار حياته وفي صحوه ومنامه ؛ بل ثمة الكثير من الإشتغالات المعرفية الأخرى : الفيزياء والفلسفة والأدب والفن ، والحقّ أنّ العديد ممّن إمتلكوا قدرة ثورية طاغية على الإتيان بالتغيير إنّما كانوا في معظمهم فيزيائيين ورياضياتيين وفلاسفة وأدباء وفنانين ، وليس عسيراً التحقق من صدقية هذه الرؤية عبر الرجوع إلى حيثيات التأريخ البعيدة منها والقريبة على حدّ سواء.
يمتلك الأشخاص المخلصون لأفكارهم والمتعايشون معها بتناغم وانسجام سمتين إثنتين كفيلتين بجعلهم أشخاصاً رؤيويين ذوي بصيرة ثورية نزّاعة للتغيير الإيجابي الذي يحدِثُ فرقاُ نوعياً كبيراً يرقى إلى مصاف الإنعطافات التأريخية ، وتلك السمتان هما : الشغف والشجاعة . أما الشغف فهو بمثابة كنز لانهائي لايفتأ يتجدّد معينه من القدرة الحركية الدافعة لإستكشاف ممكنات التغيير وآفاقه المحتملة ، وأمّا الشجاعة فهي المنبع الذي يمنح المرء الثقة في مواصلة طريقه بكلّ عزم حتى لو بدا للآخرين أنّ عوامل الفشل والإحباط تغلب عوامل النجاح والأمل.
ثمّة في حوار السير (مايكل عطية) مصداق مؤكّد لهاتين الخصيصتين ؛ إذ يقول إنّه بعد أن تجاوز الثمانين راح يفكّر في جوانب تقنية لطالما تجاهلها سواه (وهو يقصد على وجه التحديد إدخال تأثير الجاذبية في الفيزياء دون الذرية) ، ثمّ يضيف بأنّه شغف بهذه المسألة منذ أزمان بعيدة وقد جاء الوقت ليختبر رؤية شغفه متحققاً على أرض الواقع ، ثمّ يضيف لاحقاً بأنّ الأمر يستلزم قدراً غير عادي من الشجاعة لأنّ الشباب في العادة يحجمون عن تناول الموضوعات البحثية البعيدة عن (الموضات) السائدة تحسّباً لفقدان مصادر تمويلهم ؛ لكنه يردف قائلاً : لاشيء أخافه اليوم ؛ فقد حصلت على أهم الجوائز في ميداني وبلغت سنّاً لم أعد أخشى فيه التصريح بما أحبّ.
ليتنا نملك بعض شغف وشجاعة مايكل عطية إذن لكنّا غيّرنا الكثير!!

المزيد من الأخبار