مقالات

مؤشرات تدهور الواقع التربوي في العراق منذ 2003

عادل عبد الزهرة شبيب 11 / 03 / 2018 

اعتبر العراق حسب المنظمات الدولية المتخصصة، من أسوأ بلدان العالم في مستوى وجودة التعليم، حيث تراجع التعليم كثيراً بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 والى اليوم، فهو يسير بخطى حثيثة نحو الكارثة. وقد ساهمت عدّة عوامل في هذا التراجع، أولها تفشي الفساد في وزارة التربية كباقي الوزارات العراقية الأخرى وبدون رادع، وأبرز مؤشر على ذلك الفساد هو عقد طباعة الكتب المدرسية حيث سبق وأن تم شراء أجهزة طباعة من ألمانيا لغرض طباعة الكتب المدرسية في العراق وبمبلغ 22 مليون دولار، بينما سعرها الأصلي 15 مليون دولار حسب التقارير ووزّعت السبعة ملايين دولار بين الفاسدين.؟ غير أن المطبعة لم تدخل الخدمة بسبب معارضة بعض الفاسدين في وزارة التربية الذين لهم ارتباطات بالأحزاب المتنفذة، وبالتالي تمت إحالة طباعة الكتب المدرسية الى مطابع خاصة تعود ملكيتها الى أولئك الفاسدين بعقود تصل الى ملايين الدولارات، غير أن كثيراً من مدارسنا يعاني النقص في التجهيز بالكتب والقرطاسية ولكل عام، على الرغم من صرف ملايين الدولارات لطباعة تلك الكتب والتي تتم طباعتها بورق رديء ما يعرضها للتلف السريع بهدف إعادة طبعها كل عام لأغراض الربح بدلاً من طباعتها بجودة عالية لتستمر أعواماً.
وقد أثر هذا النقص في الكتب والمناهج الدراسية سلباً على المستوى التعليمي للطلاب، وقد تمر فترة طويلة من العام الدراسي دون حصول الطلاب على كتبهم وقرطاسيتهم، والمتمكن منهم قد يلجأ الى شرائها من باعة الكتب المتوفرة لديهم والمفقودة من مخازن التربية وبأسعار عالية لا يتمكن أولياء امور الطلبة من ذوي الدخل المحدود من شرائها، خاصة اذا كان لديهم اكثر من طالب في المدرسة. إن أمر توفير الكتب والقرطاسية من مسؤولية الدولة ووزارة التربية. خاصة وأن هناك عائلات فقيرة قد تجبر ابناءها على ترك المقاعد الدراسية بسبب عدم قدرتهم المادية في توفير ما يحتاجه ابناؤهم في المدارس.
يلاحظ أيضاً انهيار البنى التحتية للتعليم وتعرض أبنية المدارس والجامعات والمعاهد ومراكز الابحاث والدراسات العلمية وأبنية المكتبات العامة الى عمليات سلب وحرق وتخريب في أحداث 2003 وما بعدها. وكشف تقرير لوزارة التربية عام 2009 عن وجود 6690 مدرسة بحاجة الى ترميم و 6879 مدرسة غير صالحة للاستخدام، وأشار التقرير الى الحاجة لبناء 1600 مدرسة ابتدائية ومتوسطة واعدادية، واليوم ازدادت الحاجة لبناء المزيد من المدارس بسبب زيادة اعداد السكان. ومعظم مدارسنا اليوم تعاني من نقص الماء الصالح والحمامات الصحية النظيفة وتردي التجهيزات والمعدات الكهربائية ونقص المراوح والإنارة وضعف الاهتمام بالنظافة والافتقار الى زجاج النوافذ ونقص الرحلات، حيث يفترش الطلاب الأرض في بعض المناطق الى جانب وجود مدارس طينية واكتظاظ الصفوف بأعداد غفيرة من الطلبة ونقص الملاكات التدريسية والتعليمية وبخاصة لبعض المواد كالرياضيات والفيزياء واللغة الانكليزية وغيرها. إضافة الى بعض الادارات السيئة وغير الحريصة والفاسدة. فكيف سيكون التعليم بمستوى جيد في ظل هذه السلبيات وعدم اهتمام الحكومة؟
لقد انعكست هذه الأوضاع السلبية في التعليم على مستوى الطلبة وقدراتهم اللغوية والعلمية بشكل كبير، اضافة الى تفشي المعتقدات الطائفية المتطرفة وتفاقم الغيابات والتسرب من المدارس لأسباب اقتصادية وتفشي الأمّية والجهل بعد أن كاد العراق يقضي عليها عام 1991.
وسجّلت الحكومة العراقية أسوأ سلوك لها تجاه التعليم حينما عجزت عن طبع المناهج الدراسية للعام 2015 – 2016 وحمّلت الطلبة وأسرهم مسؤولية توفيرها، علاوة على عدم توفيرها مبانٍ مدرسية وتبديد الأموال المخصّصة لذلك ضمن ملفات الفساد. كما انتشرت في العراق ظاهرة الدروس الخصوصية على نطاق واسع وعلني في ظل تغاضي الحكومة. الى جانب المدارس والكليات الخاصة التي تثقل من كاهل العائلات ضمن سياسة الحكومة بخصخصة التعليم.
يلاحظ أيضاً الطبيعة الطائفية التي سيطرت على واقع التعليم في العراق، حيث تجبر الفتيات على ارتداء الحجاب وبعض المدارس تعلّم اللطم وصلاة الجنازة وبثّ سموم الطائفية ومنع الاختلاط في المدارس وتحريمه. أذكر في السبعينات من القرن الماضي، وعن تجربة شخصية، كانت المدارس التي عملتُ فيها مدرساً في ثانوية العزير وثانوية المجر الكبير في محافظة ميسان وثانوية أم قصر في البصرة مدارس مختلطة بالجنسين، ولم تحدث فيها أيّ مشاكل جراء الاختلاط، وكذلك الحال في اعدادية الفاروق المسائية في محافظة البصرة، كانت مختلطة وكانت الدروس الخصوصية محرّمة وتؤخذ التعهدات على المدرسين بعدم ممارستها. كما لم تكن هناك أية توجهات طائفية في مدارسنا كما هي اليوم.
من الضروري اليوم العمل على اصلاح المنظومة التربوية والتعليمية في مختلف مراحلها، واعتبار هذا القطاع من الأولويات المهمة وتخصيص الموارد المالية والمادية والبشرية اللازمة له مع توفير الابنية المدرسية وفق المواصفات العالمية، واعتماد فلسفة تربوية – تعليمية تقوم على قيم المواطنة وعلى تعزيز الفكر التنويري ونقل المعارف المستندة الى أحدث ما توصلت إليه العلوم في جميع مجالات المعرفة وتنمية قدرات الطالب على التفكير النقدي وعلى فهم واستيعاب منجزات العلم والحضارة المعاصرة، وإعادة النظر في نظام ومناهج التعليم وطرائق التدريس بما يتفق وتأمين مستلزمات التقدم التقني والمادي وإرساء قاعدة تعليمية متطورة وتشجيع البحث العلمي والابتكار وربط العملية التعليمية بعملية التنمية الشاملة في البلاد وأهدافها الكبرى، وإدراج تعليم المعلوماتية ضمن المناهج في مرحلة مبكرة وإشاعة استخدام وسائلها في المدارس. وعلى وضع خطط علمية لاستكمال عملية مكافحة الأمّية وضمان مجانية التعليم في المراحل الدراسية كافة، وتفعيل إلزاميته في الدراسة الابتدائية ومعالجة ظاهرة التوسع المتنامي للتعليم الأهلي وآثاره في النظام التعليمي ككل. مع شمول مرحلة رياض الأطفال بالسلم التعليمي وإلزامية التعليم على وفق ما جاء في الدستور. وضرورة اصلاح التعليم العالي والعمل بمبدأ استقلالية الجامعات وصيانة الحريات العامة فيها، خصوصاً حرية الطلبة في التعبير عن مطالبهم وطرح مشاكلهم وفي اختيار ممثليهم وعلى ترسيخ ثقافة التعدد واحترام الرأي الآخر ونبذ الإقصاء والتهميش ورفض التعصب والتطرف بجميع أشكاله.

المزيد من الأخبار