مقالات

ما أعظم النزاهة..

حسين الصدر 11 / 03 / 2018 

-1-
النزاهة في المسؤول من أهم الصفات، والمسؤول النزيه يترفع عن قبول (الهدايا)، فضلاً عن ابتعاده الكامل عن كل ما يمكن أن يغنمه من توقيع الصفقات والعقود …
إن النزاهة تعني التغلب على جميع الاغراءات ،وتعني الانتصار على الشهوات ….
-2-
وليس سرّا أنَّ الهدايا لا تقدم الى من هم خارج نطاق الخدمة الرسمية…، فالمسؤول الشريف يُدرك أنّ تقديم الهدايا له انما هي بسبب تبوئ المنصب ، ومن هنا يتعفف عنها ويحرص على أنْ تصل الى إحدى مؤسسات الدولة بدلاً من أن تكون ملكاً شخصياً له …
-3-
والاتسام بالنزاهة والعفة لا سيما قبل 9/4/2003 كان الصفة الغالبة على كبار المسؤولين، فضلا عن صغارهم، خلافا لما تفشى في (العراق الجديد) من ظواهر محزنة للغاية ، احتلت عمليات القرصنة والاستحواذ على المال العام مكانها البارز وأصبحت المعادل الموضوعي للإرهاب …
وهذا لا يعني انّ جميع المسؤولين هم ليسوا من النزهاء،وانما يعني انّ النزهاء باتت أعدادُهم في تناقص – للاسفالشديد –
-4-
المثال العملي
يحدثنا الراحل الاستاذ عبود الشالجي – الاديب القانوني المعروف – عن صديقه الراحل عباس البلداوي الذي كان متصرفا (محافظا) في لواء (محافظة) كربلاء المقدسة، وانه (أنشأ مشروعا لنقل الركاب داخل اللواء، بسيّارات باص كبيرة ، وقامت بالعمل شركة زوّدت المشروع بسيارات باص ألمانية ماركة مرسيدس بنز ،وبعد أنْ انجزت الشركة عملها ، واستوفت أجرها ، تقدّم مديرها الى المتصرف ، وقدّم اليه (هدية) من الشركة ، ظرفاً يحتوي على عشرة آلاف دينار ، فلم يغضب رحمه الله ، ولكنه قابل المدير ببشاشة وقال له :
انّي اشكرك ، وأشكر الشركة على هذا اللطف، ولكني أرجو منك ان تقّدم هذه (الهدية) إلى ادارة البلدية التي يعود مشروع الباصات اليها ، حيث أنها مكلفة بالقيام بمشاريع كثيرة تحتاج الى بذل ، وهذا المبلغ يُعينها على القيام ببعض تلك المشاريع ،
وتم الأمر وفقا لاقتراحه ، إذ قدمت الشركة ذلك المبلغ تبرعاً منها للبلدية).
أرأيتَ كيف يتصرف المسؤول النزيه حين تعرض عليه الأموال ؟
إنه يرفضها لنفسه ، ويقبلها للمواطنين الذين يتعيّن عليه خدمتهم ، عبر ايداعها في خزانة إحدى مؤسسات الدولة –وهي بلدية كربلاء – في المثال-.
انّ المشروع كان قد نُفّذ وفُرغ منه ..،
فالمبلغ المقدّم (للمتصرف) لا يمكن اعتباره (رشوة) على الاطلاق، ولكنه لم يكن يُقدّم له لو لم يكن (متصرفاً) في لواء كربلاء فمقتضى النزاهة أن يحّول الى بلدية اللواء وهكذا كان ..
يقول الشالجي :
( في الاسبوع الذي ردّ فيه العشرة آلاف دينار ، قدم البلداوي الى بغداد واقترض مني مائة دينار واشتري بها ملابس له ولأولاده “
وهنا تكمن الروعة …
لقد كان البلداوي بحاجة ماسة الى المال ، وهذا دليل نزاهته وعفته ،
ولم يسع هو لانتزاع المال من الشركة وانما قدّم اليه طوعاً ، ومع ذلك كله رفضه، في منحى بالغ الدلالة على التزامه الدقيق بتغليب الصالح العام على مصلحته الشخصية ، وهذا ما يجب أن يحرص عليه كل المسؤولين…
-5-
لسنا بصدد الاشادة بالراحل (البلداوي) من منطلق علاقة خاصة أو نفع معين نبتغيه من ذلك ، ولكننا نشيد به مثالاً للمسؤول النزيه، وندعو المسؤولين المعاصرين أن ينسجواعلى هذا المنوال، وأنْ يحاسبوا كل خائن محتال .
-6-
من منكم يستطيع أنْ ينكر أنَّ البلداوي قدّم لبلاده خدمة معنوية كبرى حين رفض الهدية لشخصه وأحالها الى بلدية كربلاء ؟
انه بذلك بعث برسالة الى الشركات الألمانية ومَنْ وراءها مِنَالشركات ان المسؤولين في العراق شرفاء نجباء مخلصون نزيهون، وحين يكون المسؤولون في العراق بهذه الاوصاف فالبلد يرفل بالرقيّ الحضاري والسياسي والاجتماعي .
-7-
واليك أخيراً ما جاء في كتاب (القضاء عند العرب 125 ) عن (أبي بكر محمد بن المظفر) قاضي القضاة ببغداد (ت 488هـ) فقد اشترط ان لا يأخذ على القضاء رزقا ،
وكان له بيتٌ كراؤه دينار ونصف دينار في الشهر ،
فكان يعيش به ..!!
انّ منصب (قاضي القضاة) لمنصب كبير ومهم للغاية،
ومع ذلك ، كان (المظفر) لا يتقاضى عنه راتباً من الدولة .
انها نزاهة عالية فريدة واكتفاؤه بدينار ونصف في كل شهر تدفع له من مستأجر دار له، يعني أنه كان أبعد الناس عن الترف وعن البذخ وعن حب المظاهر الدنيوية .

المزيد من الأخبار