مقالات

جدلية الربط بين القضاء والمحاماة وحقوق الإنسان

عبد الجبار عبد الوهاب 11 / 02 / 2018 

منذ إعلان ميثاق أثينا الذي إنبثق عن مؤتمرها بــتاريخ 18/6/1955 برز نشاط مهنة المحاماة ضمن أطار الدول والقضاء وحقوق الإنسان وبدأت جدلية الربط بينها تحتل الأهمية الأولى في حماية حقوق الإنسان التي تثار أمام القضاء الذي يمارس المحامون من خلاله دورهم الشريف لحماية تلك الحقوق قي ضوء نظرية الترابط الجدلي التي تنطوي تحتها حقوق الإنسان في القضاء الوطني وتقاليد مهنة المحاماة ذات التعددية في الرأي ولغة الحوار واستقلاليتها.

من هنا  تتبين لنا أهمية المحاماة في حماية حقوق الإنسان حيث جاء في  الفقرة الثالثة من ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (بأنه من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان لكي لا يضطر المرء الى التمرد على الإستبداد والظلم).

ويمارس هذه الحماية , كما قلت , المحامون أمام القضاء لأنصاف الإنسان من أعمال الإعتداء على الحقوق الأساسية التي يمنحها القانون لكل شخص من خلال مبدأ سيادة القانون واستقلالية المحاماة واحترام حقوق الإنسان.

ولن تتغير جدلية الربط بين هذه المكونات الثلاث عما كانت عليه في المراحل التأريخية القديمة بل ظلت محافظة على قدسيتها وجوهرها الإنساني باعتبار أن مهنة المحاماة, هي مهنة (الأسرار) حتى هذا اليوم , وارتبطت تاريخيا بالدفاع ليس عن قضايا المواطنين فقط وإنما عن قضايا الشعوب الوطنية والقومية والسياسية.

وهذا دفع الاتحاد العام للمحامين العرب أن ينص في مشروع قانون المحاماة الموحد على تعريف المحاماة (بأنها ذات غايات قومية وإنسانية تستهدف الدفاع عن الحقوق الطبيعية والموضوعية للأفراد والوطن والأمة والإنسانية , ومنها الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها واعتبار هذا الدفاع رسالة مهنية مقدسة بالنسبة للمحامي).

تعطيل رسالة

لذلك فإن أي تعرض , كما يحدث الآن , لمهنة المحامي , من أي جهة كانت , يؤدي الى تعطيل رسالة المحامين في الدفاع عن حقوق المواطنين إزاء أي تأثير أو تصرف سلطوي مخالف لأستقلال القضاء وقدسية المحاماة واحترام حقوق الإنسان . لأن أهمية جدلية الربط بين هذه الأركان لا تقتصر فقط في الدفاع عن هذه الحقوق وإنما تمتد الى حقوق الموكلين والوطن والأمة والانسانية.

ومن هذا المنطلق نادى إعلان أثينا بتاريخ 18 / 6 / 1955 في الفقرة الرابعة منه على (أن المحامين في العالم كافة يجب أن يحافظوا على استقلالية مهنة المحاماة وأن يطالبوا بحقوق الانسان ضمن إطار دولة القانون وبضمان محاكمة عادلة لكل منهم.

وقد أكدت اللجنة الدولية للحقوقيين في مؤتمر (أوسلو) في شهر أيلول عام 1980 على استقلالية مهنة المحاماة وحمايتها من الانتهاكات التي تحصل ضد المحامين , كما يحصل اليوم من هجمات مركزة ضد المحامين , وقد نجحت فعلا نقابة المحامين في العراق للوقوف ضد هذه الانتهاكات ودعت المنظمات للقيام بحملة موحدة للدفاع عن المحامين . وأكدت على ممارسة المحامين لحرياتهم استنادا لقرارات مؤتمر (مالطا) الحادي عشر للجمعية الدولية للحقوقيين الديمقراطيين الذي عقد في تشرين الثاني عام 1980 وأكدته المنظمات الدولية في وثائقها الحقوقية عن العلاقة المتينة بين القضاء والمحاماة وحقوق الانسان , وهذا التأكيد جاء أيضا في المؤتمر الذي عقد في (جنيف) في آذار عام 1981 ألذي تضمن مجموعة من المبادئ والنصوص التي تتعلق باستقلال القضاء والمحاماة (مجلة الحق – عدد (1) صفحة 207) ومن يلاحظ هذه المبادئ والنصوص يجد أن نظرية جدلية الربط بين القضاء والمحاماة وحقوق الأنسان واضحة من خلال موادها التي تنص على استقلال القضاء ليحقق العدالة والحرية , وحماية حقوق الانسان في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وتعميق دور نقابات المحامين في السعي الى حماية أعضائها ومساندتهم والذود عنهم , كما تفعل الآن نقابة المحامين العراقيين المناضلة في صيانة حقوق وواجبات المحامين , وضرورة تمتعهم بكافة حقوق الأنظمام الى المنظمات المحلية والأقليمية والدولية , والأسهام الفاعل في النشاطات السياسية والاجتماعية والثقافية واحترام استقلالية مهنته عندما يعمل بصفته المهنية ولا تسعى السلطات الحكومية الى فرض قيود على هذه الاستقلالية والحفاظ على شرف المهنة وكرامتها ودعم حقوق الانسان محليا واقليميا ودوليا.

اسانيد قانونية

كما أكد مؤتمر (جنيف) الذي عقد عام 1981. أضافة الى المبادئ التي ذكرتها , في الفقرات (38) و (39) و (40)  من فقرات اعلان جنيف , على الجهات الحكومية اخطار نقابة المحامين (ف 38) فورا بالأسباب والأسانيد القانونية في حالة ألقاء القبض على أي محام أو توقيفه أو تفتيش مكتبه , وفي كل الأحوال تستطيع النقابة أن تحتج لدى السلطة المسؤولة عن هذه الأنتهاكات.

كما أن (ف 39) من الأعلان المذكور أوجبت على سلطات الأتهام أو أية سلطة حكومية أن تخطر نقابة المحامين باتخاذ أي قرار أو أجراء يمس سلامة المحامي ويحق للنقابة أن يحضر ممثل عنها هذه الأجراءات كي تحمي استقلالية المهنة.

وفي الجانب النقابي الآخر نصت (الفقرة 40) على بعض الأجراءات التأديبية ضد المحامين من خلال وضع قواعد للسلوك المهني , التي نحن الآن بأمس الحاجة اليها , يكون لها وحدها حق أتخاذ أي أجراء تأديبي عملا بالفقرة (41) من الاعلان المذكور.

وقد أكد هذه المبادئ (الأعلان العالمي لاستقلالية العدالة) الذي انبثق عن المؤتمر العالمي لاستقلالية العدالة في حزيران عام 1983 ألذي عقد في (مونتريال) في كندا.

إن أهمية جدلية الربط بين القضاء والمحاماة وحقوق الانسان , تكمن في استقلالية كل منهما من خلال العناصر والمنطلقات التالية.

حرية تامة

حمايتها من التدخل الحكومي في شؤون المحاماة والقضاء واحترام حقوق الانسان أولا , وتمتع المحامي بحرية تامة في ممارسة  مهنته وعدم التدخل في شؤونه ثانيا ومنع المحامين من ممارسة الوظائف الحكومية ثالثا , واخضاع تأديب المحامين لقواعد سلوكية خاصة من قبل نقابة المحامين حصرا رابعا تعزيزا لدور المحاماة الانساني الهام أمام القضاء بوصفه المرجع الحاسم في حماية حقوق الانسان وتحقيق العدالة.

وعند أداء هذه المهنة في ضوء تلك الجدلية تصبح المحاماة قريبة من مهنة (كهنة الأعتراف) في المسيحية  ويتحول المحامي الى (كاهن) يتلقى الاعتراف من الكهنة , من حيث ارتباط المهنتين وسبب طبيعة كل منهما بالمحافظة على قدسيتها وشرفها في أداء واجباتها الانسانية.

ومن خلال هذه الجدلية يتحول المحامون الى ضحايا انتهكات حقوق الأنسان في العالم بدل أن يكونوا طليعة لتعزيز هذه الحقوق … رفقا برجال القضاء الواقف الذين تحملوا ما لم يتحمله الجالسون والواقفون في كل ميدان من ميادين الحياة  ولنذهب الى الأبد مقولة (كلها تنادي بعقاب الجاني من للمتهم البريء المظلوم).

المزيد من الأخبار