مقالات

حقوق الشعب و الاتفاقات السريّة

د. مهند البراك 6 / 12 / 2017 

لايمكن فصل بداية العهد الجاري، عما يجري الآن بعد مسيرة معقّدة بدأت بإعلان قيام دولة مؤسساتية على أساس تحاصصي طائفي وعرقي، و شُرّعت مؤسساتها و مواثيقها و خطط اعمالها التي عُمل و يُعمل بها لاحقاً باجتهادات شخصية و ضيّقة غلب عليها الطابع الطائفي و الإثني العرقي، الأمر الذي غلب على المسيرة. 

يرى متابعون مستقلون أنّ القطب الطائفي (الشيعي) الحاكم شدّد تعصبه بدفع من دوائر إيرانية عملت بتواصل و بلا ضجة على اغتيال و طرد كفاءات مدنية و عسكرية عراقية و غيرها، من مكوّنات سنية و دينية و قومية، بتهم دورها في الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي اشعلتها حينها الدكتاتورية و فرضتها بالحديد و النار على الجيش و الشعب بطوائفه و مكوناته الدينية و العرقية، و بتهم التعاون مع المحتل الامريكي غير المسلم، و جهّزت لتلك الادوار فرقاً إرهابية لعبت فيها دوائر سورية، ثم لتدخل عليها دوائر خليجية تواجهها. تداخلت معها و وظّفتها فلول الدكتاتورية تحت الراية (المحمدية)، ليسود الإرهاب في البلاد.
و في الوقت الذي لعب فيه المكوّن الكردستاني بقوات البيشمركة أدواراً مشرفة في مكافحة الإرهاب وإنقاذ مدن عربية عراقية مهمّة من السقوط بيد الإرهابيين في الأنبار، حين كانت التشكيلات العسكرية الجديدة ضعيفة. فإنه تجنب اثارة الحساسيات و ضيق الأفق القومي و انشغل في حماية اقليمه و وقايته من الإرهابيين و نجح بها، في وقت انشغل فيه المكوّن (الشيعي) المتنفذ في العملية السياسية، بمواجهة معارضيه من الشيعة و السنة بالقوة كما جرى في صولات و صولات في البصرة و الأنبار و غيرها.
ويرون انه نتيجة تلك الأوضاع ازداد قطب المحاصصة السني ضعفاً على ضعفه بسبب تشتته و غياب مرجعية سياسية أو دينية منظّمة له، و بسبب الضغوط المالية و الافقار و استخدام القوة ضدّه في خلط مطالبات شعبية عادلة بالإرهاب، حتى غاب دوره الفاعل في المحاصصة، التي صارت عملياً تحالفاً كردستانياً ـ شيعياً قاده متنفذون من الطرفين. و انشغلت القوى (الشيعية) الحاكمة في اثبات سيادتها، و الكردستانية الحاكمة في اثبات الوجود و الشخصية الكردستانية المتعددة المكونات، وكانت مثالاً جيداً قياساً ببقية المكونات، و في وقاية الأقليم من الإرهاب.
ويرى سياسيون و اجتماعيون، أنّ منطق المتنفذين القومي و الطائفي بقي و كأنه على حاله قبل سقوط الدكتاتورية، ساده منطق غالب و مغلوب وعدم الثقة و القلق من الآخر في الأفعال و ردود الأفعال، رغم اعتدال حصل في البداية، إلاّ أن ذلك المنطق صار يتزايد بدخول النفوذ الايراني الطائفي القومي، كما ظهر و يظهر من قرارات غالبية المتنفذين، و تصريحاتهم و مناقشاتهم في الفضائيات، لعدم اهتمامهم بتطوير ثقافتهم و ثقافة أحزابهم بقبول الآخر و بالتعددية و مفهوم الفدرالية و التوافق ، و انشغالاتهم بالمكاسب الفردية الأنانية و بالوجهة الفكرية الضيقة لحزبهم لذاته فقط .
اضافة الى تضخّم دور المحاصصة الجامدة التي دخلت في كل المجالات الدستورية بقيادة التحالف الوطني الشيعي و تحديداً حزب الدعوة، من هيئات البرلمان و الهيئات المستقلة و الى القضاء و البنك المركزي و الهيئات المالية، و صارت دوراتها لامعنى لها لأنها تتواصل بنفس التكوين و حتى بنفس الوجوه و في عدد منها منذ زمن بريمر، رغم انواع الانتقادات و الفضائح و وصولاً الى الاستنكارات الشعبية المتواصلة التي تغطّي محافظات البلاد التي جوبهت بأنواع العنف و التهديد، حتى وصلت الى الهبّة الجماهيرية ضد الفساد و عجز البرلمان و القضاء الذي عجز عن محاسبة مذنبي سقوط الموصل و سبايكر . بشعارات “باسم الدين باكونا الحرامية”.
وأخذاً بنظر الاعتبار الجهود المبذولة في مواجهة الإرهاب ـ الذي استمر لفساد أجهزة مواجهته ـ ، إلاً أن حقوق الشعب بمكوناته تاهت و ضاعت بين الإهمال و انشغالات المتنفذين بالمصالح الذاتية، و في حال انفجار الغضب الشعبي بسببها، صار اللجوء الى الاتفاقات و الحلول السرية بين المتنفذين لامتصاص النقمة حتى صار ذلك نهجاً يستند الى إيجاد حلول آنية ومهدّئة و الى تنازلات سريّة دون الرجوع للدستور !! (*) ليهيمن هذا النهج على مفاصل الدولة من القمة الاتحادية وأجهزتها الى الإقليم و الى المكونات الإتحادية ضمنها الإقليم.
في سلوك سعى ويسعى شئنا أم أبينا، لإبعاد الاحزاب و القوى التي لاتتفق مع نهج القوى المتنفذة الحاكمة، من أن تلعب دورها الذي يطالبها به و يضمنه الدستور، و حتى صارت الناس تنتظر المفاجآت السارة التي لاتُعلنْ لأنها (محصورة هناك فوق). من القادة (الجبّارين) الذين وعدوها بالنصر و تحقيق المطالب الواقعية و تحقيق حتى الأحلام على (ايديهم هم) التي لا تؤدّي إلاّ الى تدهور الوعي الشعبي أكثر و أكثر.
وفي الوقت الذي كانت فيه المحاصصة مفيدة في البدء، إلاّ أن الجمود عليها و عدم تطويرها بالتوافق و النزاهة و قبول الآخر، جعل منها قيداً على الدولة و المجتمع، وسبباً أساسياً من أسباب الفساد الذي يعمّ البلاد، وفي ظهور و استمرار الإرهاب بل و تحوله الى اعلانه (دولة داعش) الإجرامية بعد أن صار الفساد المتحاصص هو (الدولة العميقة) .
و حتى صارت مشاكل البلاد التي تتفاقم، تجعل من مكوناتها تفكّر بالعيش و النمو خارج اطار دولة طائفية اثنية تحاصصية تزداد فشلاً بعد أن فقد الدستور و القضاء دورهما و بريقهما، و وصل الحال فيها الى مناقشات شرعنة تزويج القاصرات الداعشي سيئ الصيت، والى التهديد المؤسف باستمرار الإرهاب و بقاء البلاد مسرحاً لصراع الدول الإقليمية و القوى العالمية بشعارات (مكافحة الإرهاب).
إنّ تضحيات القوات المسلحة العراقية الباسلة و القوى الحليفة من حشد و بيشمركة و عشائر، تنادي بعدم تضييع شهدائها و تضحياتها و تضحيات شعب العراق و شبابه بكل مكوناته، الذين اسقطوا ببطولاتهم (دولة داعش) الإجرامية، تنادي بالإصلاح القائم على اساس محاربة الفساد و قيام الدولة المدنية الفدرالية التعددية على أساس: هوية المواطنة المتساوية، إنهاء المحاصصة، انهاء الاتفاقات السرية، الدولة المستندة الى الدستور الفاعل ـ بعد تعديل فقرات منه سبق تهيئتها ـ و الى قضاء نزيه . . بالبدء بالتعاون معاً على تخفيف التوتر بين الحكومة الإتحادية و حكومة اقليم كردستان و العمل معاً تحت مظلة الدستور، و البدء بعودة النازحين و اعادة إعمار المدن المدمّرة .
(*) اتفاقات سرية افتقدت الشفافية و أضعفت التمسك بالدستور

المزيد من الأخبار