مقالات

الهاربون من الحاضر

لطفية الدليمي 14 / 11 / 2017 

يتجاذب الناس نوعان من القوى المحرِكة لحياتهم وهما الأمل بالغد والحنين الى الماضي وكلا الأمرين سيتحولان الى عنصرين مدمرين للحياة بالغائهما القدرة على عيش الحاضر وتحويل الأيام الراهنة الى مهلة انتظار عاجزة ؛ فالأمل بالغد والتعويل على قدرة سحرية متوهمة للأمل يدفعنا للاستكانة وتخيل فردوس خيالي ينتظرنا في المستقبل الغامض الذي لم يحن أوانه.
يسهم الأمل غالبا في إعاقة عيش الحاضر وفهمه وتطويره والنمو في أحضانه ، ويتضافر الحنين نحو الماضي مع الأمل حين ينكفيء المرء على الزمن الزائل الذي ماعاد موجودا ويعملان معا على تفريغ الحاضر من قيمته وجدواه لصالح غد غير مضمون وحاضر يسرقه الاستبداد الايديولوجي والسياسي ، وغالبا يعيش كثرة منا في الماضي ويحلم بالمستقبل ليخسر الحاضر الذي يمنحنا القدرة على تقبل أعمارنا المحدودة ويعزز فرصتنا للاستمرار في الحياة ومعايشة واقعنا.
يرى الفيلسوف الفرنسي ( لوك فيري ) إن الحنين والأمل يعملان عمل الكوابح التي تعيق النمو والتطور وتبدد حاضرنا الذي لانملك سواه ، وتتحول الحياة مع شدة التعلق بالماضي والقلق المستديم على المستقبل الى جحيم حقيقي عندما نتوقف وننظر الى حياتنا الماضية والقادمة .
يجعلنا التعويل المفرط على الأمل عاجزين عن إدراك البعد الحقيقي للزمن المعاش ، كما يجعلنا الحنين والتفجع على ماضٍ زائل عبيدا للتفجع على ماخسرنا والخوف مما سيأتي ، وعندما تضاف عوامل الترويع والتهديد الخارجية الناتجة عن استبداد السلطة أو الجماعات المسلحة المتشددة والعصابات – فإن الخوف المضاعف يجعلنا منذورين للموت المتربص ويصادر لحظتنا الحقيقية ، وتعمل جميع أنواع المخاوف التي نكابدها على إعاقة ازدهار الفكر وتنمية العقول والنضج النفسي ، ويصبح الخوف سمّاً فاتكاً يدفع البشر الى الإحساس بالخذلان والخسارة والانكسارات واللاجدوى ويتسبب بالتالي في الانكفاء على الذات وتغذية الأنانية والتحسب من كل ما يقع خارجها ؛ فتتحول الحياة إلى برهة محاصرة بالتهديدات والموت.
يفهم البشر الأمل على أنه التعلق بالحياة ضد الفناء ، وعندما يتحول فعل الأمل إلى نوع من مخدر ، يصبح سببا لاستدعاء الخمول والركود المفضيين الى ضمور قدراتنا وعجز إرادتنا على الامساك بالحاضر والاستفادة من لحظته العابرة.
مع كل مايجري في بلادنا اليوم من استخفاف بالمواطن والوطن بسبب تسلط الفئة الطفيلية الفاسدة على مقادير العراق وحياة الناس والسعي لتدمير الذاكرة الجمعية وتمزيق النسيج الاجتماعي بفرض قوانين تكرس العبودية المشرعنة بخاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة ، يصبح الأمل المسترخي أداة قتل وآفة تفترس إمكانات الحاضر ؛ فهو يخدر الجموع المستسلمة للخوف فتسلم مصائرها للمصادفة التي قد يأتي بها المستقبل الغامض وترتضي واقعها المشين الذي لن يغيره سوى التيقظ والنهوض الواعي الرافض للأمل المجرد، فلا تغيير لواقعنا الراهن بغير استنهاض القدرات والامكانات وتثويرها لحماية الحاضر الذي لانملك سواه في مواجهة التكاثر الطفيلي للفئات الفاسدة المتضامنة بأساليب مختلفة تتجاوز الاشكال التقليدية للاستنكار (كالمظاهرات والبيانات والندوات ) الى وسائل أشد فعالية وتأثيراً وغوصاً في أعماق المجتمع عبر التثقيف المباشر.
يهرب الناس التعساء المرعوبون نحو ملاذ حلمي في مستقبل لايملكون منه شيئاً أو يحتلهم الحنين المرضي إلى الماضي البعيد ، ويمثل هذان الشكلان من الهروب العاجز تصوراً خاليا من الحكمة ومقترنا بجهل حقيقة الحياة التي لاتكون ولاتتحقق الا في لحظة العيش الراهنة ، هذا ماقال به الرواقيون الذين يضادون الفكرة التبتية الشرقية عن سحرالأمل ، فالحياة تمر وتنتهي بينما نحن ننتظر فردوساً متخيلاً قد يهبط علينا من نجم بعيد.

المزيد من الأخبار