مقالات

تشكّل الوعي الاجتماعي للطلبة والشباب..

سلام حربة 7 / 11 / 2017 

الوعي هو منظومة القيم الفكرية والعلمية والثقافية والاخلاقية والجمالية التي تتشكل لدى الانسان من خلال تعامله مع الواقع، والوعي موقف هذا الانسان تجاه ما يحصل في الطبيعة والعالم من متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وهو الذي يحدد هوية المواطن ويرسم ملامحه الذاتية والموضوعية وعلاقته بالوطن والآخرين..
الوعي يختلف من شخص الى آخر، وهو لا يتشكل دفعة واحدة بل بتطور تاريخي وضمن ظرف زمكاني، ويجب توفر آليات وممكنات لدى هذا الفرد من أجل تنمية وعيه والارتقاء به نحو التكامل والسمو.
إن من أول العوامل الأساسية لتشكّل الوعي الاجتماعي، هو البيئة التي يترعرع فيها الفرد، شكل المكان الذي ولد فيه ونما وتعلم النطق وتهجّى حروف العلم وتنفس حريته وترابه، وكيف أن هذا المكان حافظ على ذاكرة هذا الفرد، لأن المعلوم أن هذه الذاكرة تحتفظ ما تختزنه من احداث طفولة سواء بشكل المكان أو الأحداث الزمنية التي وعيها وكان شاهداً عليها وتركت آثارها المهمة في شخصيته وبقيت عالقة في ذهنه لا تفارقه حتى مماته، إن هذا الواقع أو البيئة المتحركة مهمة جداً في وضع اللبنة الأولى لهذا الوعي الذي سوف يرافق الانسان كل مراحل حياته، هذه البيئة ترتبط بشكل مباشر مع طبيعة النظام السياسي الذي يحكم البلد، فكلما كان النظام شفافاً ويتوفر على بنى اقتصادية وسياسية راسخة وقطاعاته منتجة توفر حاجات المواطن وفيه مناهج بناء علمية ومفاهيم عدالة اجتماعية ويطلق طاقات الإبداع في الفن والخيال والبحث والجمال، كلما كان الواقع سليماً، لأن النظام السياسي الناجح يعمل على الحفاظ على الواقع وتطويره والانتقال به الى حالة خلاقة جديدة دون العبث به وتهديمه، في سياق الأمكنة يجب الأخذ بنظر الاعتبار القيمة التاريخية والراهنة لهذا الواقع، بحيث تعمل الاجهزة الحكومية بالحفاظ على كل الدلالات والمعالم للأمكنة مع تطويرها عمرانياً وحضارياً دون المساس ببناها القيمية والمعرفية، لأن الأمكنة لها روح تأريخية كما يقول المفكر الفرنسي باشلار، هذه الروح تسري في أجساد شاغليها وفي حال العبث بها، فإنها ستنقطع وتموت وتندثر، وهذا ما نلاحظه في العراق، حيث أن معظم الصروح التاريخية قد تمّ العبث بها وتغيرت ملامحها وتم وجرفها، وهذا ما تسبب بغربة الانسان على هذه الأرض لأنها قطعت المشيمة التي تربطه برحمها، ولذا نجد العراقي أقل التصاقاً بوطنه من كل شعوب الأرض، وهذا ما يدفعه الى الهجرة دون الالتفات الى الوراء لأنه ليس لديه ما يخسره، فالواقع متغير ودائماً ما يجنح نحو التراجع والضمور.
ولذلك نجد أن الكثير من العراقيين الذين كانوا يعيشون في الغربة قبل ثلاثين أو أربعين سنة وحين حصل التغيير بعد الاحتلال الامريكي عام 2003 والتخلص من النظام الدكتاتوري السابق وتحقق الحلم لديهم بالعودة الى البلد صدموا حين رأوا أن الواقع قد تغيّر وماكان محفوظاً في الذاكرة من تراب وحجارة ووجوه وأسماء وطن لم يعد لها من وجود، فشعروا بالغربة منذ الأيام الأولى، وعادوا من حيث أتوا يجرون وراءهم الخيبة والمرارة..
إن الحفاظ على الواقع بكل أمكنته وتطويره ضمن النسق العلمي حفاظاً على الانسان ملتصقاً بتربة هذا الوطن، وسعادة هذا المواطن ستكون كبيرة حين يشعر بأن عالمه هذا لا يزال قائماً وهو يتوهج يومياً بالإبداع والخلق، وحين يبقى هذا المكان يحمل بصمات الماضي والحاضر واسشرافات المستقبل..
إن الحفاظ على بنية المكان يعني الحفاظ على الأفكار التي تنسجم معه وتديم تطوره والتي لا تكون غريبة وهجينة عنه، فحين يكون الواقع راسخاً ومرتكزاته وبناه مؤسسة بشكل علمي، فإنه يكون منتجاً للأفكار والقيم والعلاقات الجديدة، وهذا ما لمسه العراقي في منتصف القرن الماضي وستينياته، حيث أن الحياة العراقية كانت إنموذجاً يقتدى به في المنطقة العربية وحاولت الكثير من البلدان استنساخ التجربة العراقية، وكلنا يعرف ما حاولته الإمارات العربية المتحدة أن تقرن تطورها مع العراق، وأن تكون دبي نسخة حلمية عن بغداد ، التي شغلت الناس في تلك الفكرة بالحداثة التي ابتكرتها ليس في مجال الأدب والفن بل في كل مناحي الحياة في الطب والهندسة والعمارة والعلوم الانسانية والاجتماعية وفي شكل الحياة التي يعيشها العراقي وتزيينها بالقيم الجمالية والمعرفية لأن البنى المجتمعية التي شيّدت منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 كانت سليمة، فالحياة كان يحكم الكثير من حلقاتها القانون والدستور والمقاييس العلمية والاخلاقية ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، والمنهج الذي اختطته الحكومات المتعاقبة، هو المنطق العلمي والتجريب في مناحي الحياة كافة، مع الاحتفاظ بكل عادات وتقاليد وطقوس هذا البلد، ولاننسى بأن العراق هو مهد للحضارات والأديان والقيم السماوية والوضعية.
لقد كان من نتاج تلك المرحلة وعي اجتماعي حاد بخاصة عند الطلبة والشباب ساعده في ذلك الوقت شيوع الايديولوجيات الفكرية من ماركسية وقومية ودينية، وقد كان الصراع الجدلي بين هذه الافكار، بين قوى النور والظلام بين الحق والباطل بين الوجود والعدم عاملاً حاسماً في دفع عجلة البلد الى أمام وتسليح الشباب بالقيم الفكرية والانسانية، والتي ما زالت آثارها قائمةً حتّى لحظتنا هذه، فمن نتائج ذلك الزمن ( الذهبي ) إن معظم الأدباء والفنانين والعلماء والمفكرين الأحياء في زمننا هذا، قد أسسوا قواعدهم الابداعية من ذلك الزمن وحتى إن غادروا الحياة، فإن آثارهم الابداعية بقيت شاخصة حتى يومنا هذا دون أن يستطيع أحد من زمننا هذا تجاوزها، فذاك هو السياب بمنجزه الشعري والذي يعتبر عتبةً لا يمكن تخطيها، وذاك جواد سليم بريشته ومنحوتاته، ما زالت أعماله قبلة للزائرين، وذاك وعظ علي الوردي والذي اصبح سنّة حياتية ما زال علماء الحاضر في العراق وبلدان العرب والعالم ينهلون من كشوفاته الاجتماعية وتشخيصاته للمجتمعات والبيئة العراقية، اضف الى ذلك تلك الأسماء التي لا تحصى في مجالات العلوم كافة..
لقد ساهم الاحتدام الفكري الذي كان سائداً في القرن العشرين الى دفع المواطن الى تسليح نفسه ضد خصومه الفكريين، فازداد نهماً للبحث والقراءة حتى اعتبر العراقي إنموذجاً للقارئ، وكلنا يتذكر المقولة المشهور (مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ)، وهذا ما عمل الى تفتح وعيه السياسي والاجتماعي والثقافي، هذه الثقافة وهذا الانفتاح عمدا الى الإجابة عن كل الاسئلة الكونية التي يطرحها الواقع، فكان العراقي مسلحاً بالفلسفة والاقتصاد العلمي والأدب والفن واصناف العلوم، كان يبحث عن الحقيقة بشكل دائم ويلاحق العلم في كل نظرياته وكشوفاته على الرغم من فقر الإمكانات المادية والمختبرات العلمية وبؤس وبدائية وسائل الاتصال الاجتماعي في ذلك الزمان ، كان المنطق السائد في تلك الفترة هو المنطق العلمي المستند الى مبدأ الشك ونسبية الحقيقة، فكانت شخصيته هادئة ومنسجمة وعلاقات الفرد مع الآخرين يحكمها الشرف والمحبة والتسامح ومساعدة الواحد للآخر، وحتى في ممارسة هذا المواطن للواجبات والطقوس الدينية، فقد كان شفافاً وليس مغالياً وكانت علاقته برب العالمين خالصة نقية صافية تنم عن صفاء روحي لا يخالطها الرياء والدجل والنفاق الذي يظهر عليه الكثير من مؤمني هذه الأيام..
ما يلاحظ في العقود الاخيرة ومنذ سبعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، تراجع في منسوب الوعي الاجتماعي لدى المواطن العراقي، وهذا يرجع بشكل رئيس الى السياسات الخاطئة التي سار عليها النظام الدكتاتوري السابق، كما أن الحروب التي افتعلها النظام منذ يومه الأول، ساهمت بتخريب كل البنى التي كانت راسية في السابق، كما دفعت العراقي الى التقوقع على نفسه وكان همّه الوحيد هو أن يبقى حيّاً، لأن الموت كان يحاصره من كل جانب دون أن يعنيه الفكر أو العلم أو الثقافة، لأن البلد وما عليه من جماد ومخلوقات أصبح مهدداً بوجوده، كما أن النظام البائد عمد الى تسخير كل العلماء والمفكرين والأدباء والفنانين في ماكنته الاستبدادية وحروبه المجنونة ومن يرفض هذا التسخير، فإن نصيبه الموت والنفي والملاحقة حتى في الغربة.
وهذا ما حصل من هجرة جماعية لكبار العقول الى الخارج والعيش بعيداً عن عيون وجواسيس نظام البعث، فخسر العراق خيرة عقوله، بالإضافة الى الفقدان اليومي للمبدعين من ملاحقتهم في الداخل وقتلهم وتجويعهم وتغييبهم في السجون..
إن هذا الوضع المأساوي للوعي الاجتماعي امتد الى ما بعد عام 2003، فقد كان العراقي مثقلاً بالانكسارات والجراحات والهزائم الاجتماعية والنفسية، كان يأمل العراقي بأنه سيجد الخير مع هذا الوضع الجديد بعد تخلصه من تلك الحقبة الكابوسية التي كانت جاثمة على صدره لأربعة عقود مضت، لكن ما حصل عليه هو الموت المجاني من قبل قوى الارهاب وتخريب حثيث لكل بنى البلد، فما كان قائماً تم سحقه سواء من قبل سياسيي الصدفة أو من قبل رموز الظلام، وهذا ما لمسه المواطن من تهديم مجنون لكل ذاكرة العراقيين وماضيهم وتحطيم كل الإرث التاريخي في نينوى وباقي مدن العراق من قبل داعش الموت والدمار..
لقد كان النظام الطائفي وأوهام سياسييه، بأن رسالتهم سماوية وخلو الأنظمة الداخلية لأحزاب السلطة من أي منهج اقتصادي أو سياسي لبناء البلد ومحاربتها لأيّ توجه مدني حقيقي لبناء الدولة، فتم زرع الكراهية بين طوائف هذا المجتمع واستشرى الفساد المالي والإداري بجرائم سرقة لم يشهد له تاريخ البشرية من مثيل الى غياب شكل الدولة وتراجع القانون وهيمنة شريعة الغاب، القوي يأكل الضعيف ونكوص في شكل الحياة العراقية وتراجع الخدمات والتضييق على الحريات العامة..
لقد كان لغياب النظام السياسي القائم على المؤسسات المجتمعية والعدالة وغياب مبدأ المواطنة وتعطيل كل القطاعات الانتاجية واعتماد الاقتصاد الريعي الدور الكبير في تراجع وعي المجتمع وشيوع الأوهام والخرافات واستفحال العصبية القبلية كسلاح باطش لإذلال الآخرين وضد كل توجه عصري يكرس سلطة القانون، بحيث نلاحظ أن مجاميع كبيرة من الطلبة والشباب تعاني من تشوش في وعيها ومنظومتها الفكرية وضياع ملامحها الذاتية الشخصية وسذاجة احلامها والتي لا تتعدى إشباع غرائزها الحسيّة واستفحال الأنا وانقطاعها عن الآخر والجماعة رغم توفر كل وسائل الاتصال الحديثة من انترنيت وفيسبوك وتويتر وكل منافذ العلم المتطورة..
من هذا نقول إن الواقع السليم هو المنتج للوعي الاجتماعي السليم، وحين يكون الواقع مخرباً وصناعته وعلمه معطلين، فإن كل مجسّات الناس تغدو مشوّهة وضبابية وتدفع نحو الفوضى والصراع المذهبي والديني والعرقي وخلق الأزمات المتتالية وهذا ما نلمسه في الوقت الحاضر..

المزيد من الأخبار