مقالات

الخطُّ البيّاني المتذبذب

حسين الصدر 28 / 09 / 2017 

-1-
الخط البياني للعلاقات بين السلطويين وبين أعوانهم ومساعديهم شديد التذبذب عبر التاريخ …!!
في عالم السياسة يقال :
ليست هناك عداوات دائمة ولا صداقات دائمة وإنما هناك مصالح دائمة..
والتاريخ السياسي يثبت صحة هذه المقولة.
-2-
ومن المقولات المعرفة أيضاً:
الثورة تأكل ابناءها
فالخلاف القاسمي – العارفي أبرز الأمثلة على ذلك بين أبرز ضباط 14 تموز 1958 –
-3-
وتصفية عدنان حسين الحمداني وغانم عبد الجليل على يد الدكتاتور المقبور – وهما من اصدقائه المقربين – مثال بارز آخر.
تَمَّ ذلك في تموز 1979 بعد ان آلت الرئاسة الى القائد الضرورة المقبور.
-4-
وحادث الطائرة الذي دُبِرَ لمصرع عدنان خير الله طلفاح معروف لا يُنسى مع انه ابن خال الطاغية وخال أولاده …
ولكن حين تناهى الى سمع الطاغوت أن هناك توجهاً معيناً نحو (عدنان) عند دولة اقليمية مجاورة ، خشي أنْ يفضي ذلك الى توليه السلطة بديلاً عنه فدبّر له الحادث .
ولا ينسى العراقيون ما تعرّض له المقبور (حسين كامل) وهو الصهر المقرب لابن العوجة – من إبادة ساحقة ماحقة إثر عودته الى العراق بعد الهرب واثقاً بوعد كاذب وصله من عمه ..!!
وهكذا كان الحال في (مصر) حيث سرعان ما تم تهميش (محمد نجيب) وهو أكبر ضباط ثورة يوليو 1952 ويطول بنا المقام لو أردنا الإفاضة في هذا المضمار .
-5-
والسؤال الآن :
لماذا هذا التذبذب الشديد في الخط البياني للعلاقات بين كبار السلطويين ومساعديهم ؟
والجواب :
هو كثرة الهواجس والمخاوف التي تساور أذهان الحكّام خوفاً على كراسيهم ممن يُحيط بهم من كبار الأعوان ..
وهم يُصدّقون ما يُنقل اليهم ويرتفع الزئبق في محرارهم بسرعة فتبرز ردود الفعل الغاضبة والإجراءات والقرارات القاسية .
-6-
وكان يقال :
السعيد من لا يعرفهم ولا يعرفونه، والمعنى:
إنّ اللصيق بالحكّام والأثير لديهم سرعان ما يدفع ثمن غضبهم عليه ، وشكّهم فيه وانقلابهم الكامل عليه بنحو لا يُبقي له باقية ..!!
-7-
والملاحظ في هذا الصدد :
إن عشاق السلطة يُصدقون الوشاة والسعادة على أقربائهم فضلاً عن الأبعدين..
الشاهد التاريخي :
قصة (عبد الملك بن صالح) مع (هارون) من أوضح الأمثلة على ذلك ..
كان عبد الملك بن صالح من أقرباء الرشيد، ومن رجاله البارزين، مع قدرة وشهرة لا في البيان والفصاحة فحسب، بل في الإدارة أيضاً، حيث ولاّه المدينة المنورة ، وحين سئل يحيى البرمكي عن سرّ ذلك قال :
(أحبَّ أنْ يباهي به قريشاً ويُعلم أنَّ في بني العباس مثله،
وهذا يعني:
أن هارون كان يفتخر به، وبملكاته وقدراته
يقول التاريخ :
ثم وُشي به بَعْدَ ذلك الناس وتتابعت الأخبار عنه بفساد نيتِهِ للرشيد ، فدخل عليه في بعض الأيام وقد امتلأ قلب الرشيد فقال له :
أكفراً بالنعمة وغدراً ..؟
فقال عبد الملك :
وما ذاك .. الاّ بغيُّ حاسد
ونفى عبد الملك كل ما قيل فيه …
فأحضر هارون كاتبه المنشق عليه (قمامة) وولده (عبد الرحمن) للشهادة ضده .
فقال كاتبه :
” انه عازم على الغدر بك …
والخلاف عليك”
فقال عبد الملك :
” وكيف لا يكذب عليّ مِنْ خلفي مَنْ يبهتني في وجهي” ؟
وقال عنْ ولده عبد الرحمن :
“عبد الرحمن بين مأجور أو عاق،
فإن كان مأموراً فمعذور،
وإنْ كان عاقاً فهو عدو أخبر الله بعداوته وحذّر منها..!!
ثم أن الرشيد تنكر له بعد ذلك فحبسه عند الفضل بن الربيع ولم يزل محبوساً حتى توفى الرشيد…
أقول:
لقد سلم من القتل، ولكنه لم يسلم من العقوبة، بسبب تصديق هارون لكلمات الواشين والحاسدين أعاذنا الله وإياكم من شرور شياطين الأنس والجن …
وحين أخرجه الأمين من السجن دفع اليه (قمامة) كاتبه، وابنه (عبد الرحمن) فقتل كاتِبَهُ وهشّم وجه ابنه بعمود .
وكم بهذه القضية من نظير …
وحين عرضت الوزارة أيام الحكم الملكي على أحد رجال العراق المعروفين رفضها، وحين سئل عن السبب قال :
{ أخشى ذلّ العزل …}
إنّ شهوة التسلط وخيمةُ العواقب ، وقد تودي بصاحبها الى السجون أو باطن الأرض فيكون (القبر) لا (الكرسي العتيد) موضعه الفريد …

المزيد من الأخبار