مقالات

إعلام داعش ضد أوربا.. وأهم مرتكزات التجنيد

حسين جاسم الخزاعي 28 / 09 / 2017 

تمثل أوربا بالنسبة للحركات السلفية الجهادية ومنها داعش هدفا استراتيجيا دائما ، بل هي من أهم ساحات الخرق الأمني وتحقيق العمليات النوعية والروتينية بالنسبة له ، وأوربا في أدبيات الحركات الجهادية تمثل أهم جزء من ما يسمى ب(العدو البعيد) بعد أمريكا ، بل أن هذه الحركات تصنف فرنسا بأنها العدو الصليبي الأول واستهدافها من أولويات تلك الحركات بالنسبة لأوربا . ولم تحدد تلك الساحة أي أوربا ضمن دائرة ما يسمى إستراتيجية (ارض التمكين) في الوقت الحاضر ولا حتى في أوقات الأجيال السابقة لتلك الحركات بل حددت في ان تكون ساحة خروقات أمنية وعمليات مسلحة بين الآونة والأخرى .
وقد نجح الجيل الثالث من تلك الحركات بقيادة ابي بكر البغدادي اكثر من باقي الأجيال في توسيع وتنويع دائرة الاستهداف في تلك الساحة ، كما انه تفوق عليها في دائرة التجنيد بصورة ملفتة وواسعة جدا بحيث تم تجنيد آلاف من الأوربيين ودفعهم للالتحاق في صفوف التنظيم في العراق وسوريا لغرض القتال وتنفيذ العمليات الانتحارية ، وبلغ الأمر ببعض المجندين أن التحقوا إلى ارض التمكين مع عوائلهم تاركين كل ما يتعلق بحياتهم في أوربا. كما انه نجح في تجنيد الكثير من الأوربيين ودفعهم إلى تنفيذ عمليات مسلحة داخل أوربا ، مؤسسا لما يسمى بظاهرة الذئاب المنفردة ، ولا تزال تلك الظاهرة من اخطر ما يهدد الأمن في العواصم والمدن الأوربية. بالإمكان القول بأن داعش حقق نجاحا كبيرا جدا في عملية التجنيد عبر الانترنت وهي عملية مستمرة إلى الوقت الحاضر رغم ما اتخذته السلطات في اوربا من إجراءات للحد من تلك الظاهرة . يتبين من خلال المتابعة والتدقيق في المواقع الالكترونية لداعش والموجهة إلى المستهدفين في أوربا لغرض التحفيز للتجنيد والدفع باتجاه تنفيذ العمليات الإرهابية ضد الامنين ومصالحهم الحياتية وكذلك للالتحاق بأرض التمكين ان داعش اعتمد على إستراتيجية التركيز على جوانب معنوية مهمة تعزز من خلق حالة الكراهية وادلجة عقل المستهدفين للإيمان برؤاهم وثقافتهم كمرحلة تمهيدية للتجنيد، وأن أهم تلك الجوانب هي :
1- الجانب التاريخي : فقد ركز داعش في منشوراته ودعايته على ترسيخ العداء التاريخي المتأصل –بحسب رؤيته – بين الغرب والمسلمين وطرح مشاكل واستعراض حوادث تاريخية لها علاقة بما يسميه الحروب الصليبية ضد المسلمين كالحرب بين صلاح الدين الأيوبي والجيوش الصليبية في القدس وقتذاك ، وكذلك يركز على الفتوحات الإسلامية في القرون الأولى للإسلام كفتح الأندلس والحرب مع الرومان وما الى ذلك ، وهو بذلك يعزز في نفوس المجنسين المسلمين في أوربا روح العداء التاريخي المتأصل مع الديانة الرئيسية في أوربا وهي المسيحية ، وبذلك يخلق فجوة التباعد بين الديانتين ويعزز الكراهية بينهما ، ويخلق مشاعر لدى المسلمين بأنهم يعيشون في كنف عدو تأريخي يحاربهم منذ اجل بعيد ، وطالما خاض الجانبان حربا مقدسة بالنسبة لكليهما ، فأجدادهم كانوا إما قاتلين أو مقتولين بسبب هذا العداء المتأصل ، وبذلك تخلق حالة الإحساس والرغبة بالثأر من الآخر .
2- الجانب السياسي : تركز الآلة الإعلامية لداعش والموجهة إلى أوربا على الجنبة السياسية بعمق موضحاً الدور السياسي الفاعل للأوربيين ضد العرب في قضيتهم الرئيسية وهي فلسطين ، فداعش يثقف المواطن المسلم في أوربا على إن الحكومات الأوربية هي صاحبة الدور الأكبر في تقسيم الوطن العربي إلى دويلات هشة وتسليم فلسطين إلى اليهود في معاهدة سايكس بيكو ، وان حكومات أوربا المتعاقبة والغرب كلها مستمرة في دعم الكيان الصهيوني ضد العرب وقضية الإسلام في عموم العالم وهي فلسطين المغتصبة .
كما إن داعش يبين في مواقعه إن الغرب هو المسؤول المباشر على تعيين ودعم القادة الدكتاتوريين الذين يسومون الشعوب العربية والمسلمة سوء العذاب ويتسلطون على رقابهم وان الحكام العرب والمسلمين إنما هم صنيعة الغرب ويضربون على ذلك أمثلة كحكام الخليج وخصوصا آل سعود ، وكل حكام المسلمين هم حلفاء وعملاء للغرب وبدون استثناء.
كما يركز داعش على ان الغرب هو ناهب لثروات المسلمين دون وجه حق فهو يسلب ثرواتهم كالنفط والمعادن وباقي الثروات ، وهو السبب الرئيسي في خلق الأزمات السياسية وخلق حالة الفرقة بين الأقليات وخلق حروب محلية وبؤر توتر في المناطق الحدودية بين الدول الإسلامية .
3- الجانب الروحي : يركز التنظيم على إقناع المستهدفين بأن الحضارة الغربية هي حضارة رأسمالية بحتة تعنى بحرية الفرد وتركز على الجانب المادي والحسي البحت متجاهلاً الجانب الروحي في الإنسان فهي حضارة تنشئ إنسانا يشبه الوحش لا يهمه غير إشباع رغباته وشهواته الحيوانية ولا تسمو تلك الحضارة إلى الجوانب الروحية التي ترقي الإنسان وتجعله إنسانا رحيما يستشعر ويؤمن بالغيب ووجود الله كما هو الإسلام الذي يجعلك تعمل لعالم الآخرة التي هي أبقى من هذه الدنيا الفانية وتبذل النفس من أجل أهداف سامية وتضحي بمصالحك وشهواتك من اجل رضا ربك، وان صخب الحضارة الغربية وضوضاءها هي مضيعة ومتاهة للإنسان بعكس الدين الإسلامي الذي يمثل دين الإرشاد والصلاح الروحي والمادي .
4- الجانب الاجتماعي : يركز إعلام داعش الموجه للمستهدفين في أوربا والغرب على إقناعهم بان الحضارة الغربية تنشأ تفككا اجتماعيا وتفتقر لأبسط الروابط الأسرية ولذلك لا تجد أسرا مجتمعة بل مشتتة ، وهي حضارة تسعى إلى تفكيك العوائل المسلمة التي تعيش في كنفها وتتفسخ بعد ذلك قيمها الأسرية ، وبالنتيجة ستعجز الأسر المسلمة في الغرب عن ضبط سلوكيات أفرادها وتعجز عن منع الانهيار الأسري ، وأن القوانين الاجتماعية في أوربا هي من تساعد على فلتان وانفراط الأبناء من سلطة الآباء وان المسلمين سيكونون عاجزين عن ردع أبنائهم من شرب الخمر وارتكاب المحارم كالزنى وغيره كما إنهم سيعجزون عن ردع البنات عن اللبس السافر الغير محتشم وممارسة الجنس غير الشرعي وما إلى ذلك من معاصي .
جميع ما تقدم ساعد وبشكل فاعل في تجنيد واستمالة الكثير من الشباب ذوي الأصول المسلمة للالتحاق في التنظيمات الإرهابية عبر مواقع التواصل الالكترونية ، وهذه الأساليب هي كفيلة في خلق الكراهية العميقة بين المواطنين الأوربيين لاختلاف دياناتهم.
ان المسألة ذات دوافع ايديلوجية بحتة وغير قابلة للنقاش ، وان تعميق حالة الكراهية هو أهم مقدمة للتجنيد وان التفاعل الحاصل باضطراد من قبل المسلمين الأوربيين مع التنظيم ناتج بالدرجة الأساس من اقتناعهم بما يروجه التنظيم من أفكار على مواقع التواصل الالكترونية وما يركز عليه في الجوانب الأربعة التي ذكرناها ، وبالإمكان القول إن الغرب يقف عاجزا أمام منع تلك الآلة العظيمة التأثير من النفوذ إلى عمق داره وإقناع مواطنيه المسلمين باكتساب الكراهية التي تدفع الى التجنيد والانصياع لأوامر التنظيم وتنفيذ العمليات المطلوبة منهم.
سيجد الجيل الرابع من ساحة أوربا ساحة معدة وجاهزة ، بناها وأسس لها الجيل الذي سبقه بقيادة البغدادي ، وان الساحة الالكترونية لا تزال ساحة خصبة ومهيأة لإعداد خطط التجنيد في أوربا ، ولا تزال أوربا أمام تحدٍ صارم اسمه الجيل الرابع الذي قد يسعى إلى ابتكار طرق متطورة لتنفيذ العمليات الإرهابية وبث الرعب في القارة العجوز ، سيما وان العائدين إلى أوربا من جبهات التمكين في العراق وسوريا اكتسبوا خبرة عملية كبيرة في طرق الاستهداف وإثارة الرعب ، يساعدهم في ذلك القانون الأوربي والثقافة المتسامحة وحقوق الإنسان ، ومستفيدين من التطور المضطرد في وسائل الاتصال وبتكنولوجيا حديثة متجددة وبتكلفة تكاد تكون مجانية لتجنيد المزيد من المستهدفين.

المزيد من الأخبار