مقالات

الأخلاق والسياسة

غالب حسن الشابندر 16 / 08 / 2017 

الأمل الكبير
يتطلع الشعب العراقي الكريم إلى حياة جديدة، وذلك بعد هذا العناء الطويل الذي امتد لعقود من السنين، ذاق فيها الويل والذل والهوان، حرم من أعظم نعمة في الوجود، ألا وهي الحرية، مما يعني أنه حرم من تحقيق ذاته، فإن الحرية جوهر الحياة الكريمة.
يتطلع الشعب العراقي الطيب إلى حياة أخرى، حياة السلام، والوئام، حياة العطاء والإبداع، وذلك بعد ذلك الليل البهيم، بعد تلك السنين العجاف التي فقد بها الفرد العراقي كل قدرة على التفاعل مع الحياة بإيجابية وشفافية وأمل.
يتطلع الشعب العراقي إلى حياة ديمقراطية، حياة يسودها الاحترام، والمساواة، المساواة في الحقوق والواجبات، أمام القانون، أمام كل استحقاق، وذلك بعد تلك السنين الجافة، حيث التمييز الطائفي والقومي والعنصري والعائلي، الأمر الذي سبب الكثير من الشكوك المتبادلة بين أبناء الشعب الواحد، الوطن الواحد، الدين الواحد، المذهب الواحد.
يتطلع الشعب العراقي إلى حياة منفتحة، حياة نشطة بالفكر، بالشعر، بالمعرفة، بالرأي، بالمفاهيم، بالحوار، بالكتاب، وقبل كل ذلك حياة غنية بالخبز، وذلك بعد سنين جدب، عقيم، تحتل كلمة (قف) مفاصل الطرق، وبدايات الساحات الكبيرة والصغيرة، وأبواب الدوائر…
بعض الناس يقولون إن هذا قدرنا، حكم ديكتاتوري، حكم فردي جائر، لا خلاص، لا أمل، لا تطلع، لنعد إلى التاريخ ونرى.
ليس لنا نقاش مع هؤلاء، فإن شعوبا هذه سجيتها لا يمكن أن تكون مدنها عواصم الدنيا، ولا يمكن أن تكون مركز أكبر امبراطورية في التاريخ، مهما قلنا عنها. لا يمكن أن تنجب مثل المتنبي والكندي وابن النفيس، مثل محمد باقر الصدر ومصطفى جواد وجواد علي وكاظم البحراني والسياب وغيرهم من أفذاذ الفكر والشعر والعلم…
ننطلق من حقيقة أن الشعوب قادرة على أن تصنع قدرها، ونمضي على هذا المنوال والله هو الذي يوفق العاملين في سبيل الخير.
نعم، لقد توافد على العراق حكام ظلام، قتلة، من حجاجها ويزيدها وصدامها، ولكن بقي الشعب العراقي هو الشعب العراقي، يعمل من أجل حريته وسعادته وكرامته…
أليس كذلك؟

الوجه الثاني للإصلاح
حقيقة قوية ساطعة، تجربة حاضرة في صميم الواقع، تلك هي أن تقدم الأمم والشعوب يعتمد في الدرجة الأولى على اخلاص وكفاءة الجهاز الحاكم، حتى في مجتمع المؤسسات، حتى في أوروبا، بل في شمال أوروبا حيث الحياة المرفهة إلى حد كبير، حيث السلام، حيث الأمان، حيث الصحة ، حيث الحرية، حيث التقدم، فإن دور الحاكم كان وما يزال قويا شاخصا.
نعم، لا أنكر دور النظام السياسي، فإن الديكتاتورية عقيمة، وأن الثيوقراطية كسيحة، وأن حكومة الحزب الواحد مدمرة، قاسية… فيما يشخص النظام الديمقراطي كنموذج متقدم، يقال عنه أهون الشرور على صعيد قيادة الناس، وتسيير شؤون الدولة…
لا شك في أهمية النظام…
ولكن ما قيمة نظام صالح في غاية الصلاح، ولكن القائمين عليه لصوص، دمويون، قتلة، أشرار، لا يهابون حريجة دينية، ولا يهابون وعيد خالق عليم، ولا يعيرون أهمية لحساب شعب، ولا لمحاكمة تاريخ ؟
كم دستور ودستور كتب بماء الذهب ولكن ديس بأقدام العسكريين الطغاة، ومزق علنا على رؤوس الأشهاد، بلا خوف ولا وجل، واستهتر به مغامرون سياسيون، وتجار سياسة محترفون؟
ليست القضية دستور وحسب.
ولا هي قوانين مكتوبة على ورق صقيل مغلفة بغلاف ذهبي.
بل هي إضافة إلى ذلك رجال يسهرون على مصالح الناس، يخافون محاكمة التاريخ، يتوجسون من خيانة الأمانة، تسامت ضمائرهم، تعلموا الصدق من أهليهم، ورثوا القيم تعلما وتلقينا وإيمانا…
لا نتكلم عن الأخلاق هنا كماهية وفلسفة وعلم، بل عن الأخلاق كتجربة في الحياة، وكطاقة هائلة في صيانة الحقوق، وتأدية الوظيفة.
يشترط الإسلام في الحاكم أن يكون تقيا، ورعا، شجاعا، ذا قلب رحيم وإرادة صلبة، عادل، يحكم وفق مقاييس العدل، يتجنب الظلم عن سابق فكرة وإرادة….
هل جاء ذلك عفويا؟
هل جاء ذلك مزاجا أخلاقيا صرفا؟
لا…
هي فلسفة عميقة، فإن الذي لا يصدق مع صاحبه في كلمة لا يصدق مع شعبه بحكم، وأن من لا يؤتمن على قنطار لا يؤتمن على خزينة، وأن من لا يخلص لأمه وأبيه لا يخلص لأمة كبيرة…
لسنا في مرحلة الحكم المؤسساتي العظيم، ما زلنا متخلفين عن هذا المستوى الرائع، وبالتالي، نحتاج إلى الحاكم العادل هنا كضرورة في مقابلة هذا النقص الرهيب، فضلا عن كون ذلك قيمة أخلاقية بحد ذاتها، كما أن مما إتفق عليه العقلاء أن الحاكم العادل نعمة، وهو خير من الحاكم الجائر…
هل في ذلك شك؟
إن الناس يترافعون عند القاضي المشهود له بالنزاهة والعفة والشرف حتى إذا كانت مهارته العلمية دون المستوى المطلوب، تلك غريزة بشرية متحكمة في النفوس، أو عادة ركبتها فينا أخلاقنا وقيمنا وتاريخنا، فكيف إذن بإدارة شؤون بلاد، بلاد مثل العراق؟
لا ننطلق في ذلك من قيم أخلاقية بسيطة، بل من قيم أخلاقية حضارية تتواصل مع مهمة الحاكم، كموجه ومرشد وقائد ومنفذ وحامي ورائد ومعلم…
لا نتعامل مع أخلاقية رب بيت، أو قائد فرقة عسكرية، أو مدير شركة تجارية، بل مع حاكم، حاكم يحكم عشرات الملايين من الناس، مسؤول عن حمايتهم وحرماتهم وحقوقهم وسلامهم وأمنهم…
نعم.
نتحدث عن أخلاق الحكام ليس بلحاظ ما هم عليه، بل بلحاط ما يجب أن يكونوا عليه، فأن شعوب العالم الثالث ومجمل الأوضاع التي نمر بها، تحتم هذه المعاينة في خصوص الحاكم.
حقا هناك سؤالان مهمان ونحن نتحدث عن مسألة الحكم في العراق، الأولى هوية النظام السياسي، وقد حسم فيه الأمر، عراق جمهوري ديمقراطي تعددي، والعراق بلد متعدد الأديان والأعراق والقوميات، والناس متساوون في الحقوق والواجبات، وإلى ما هناك من قيم وتصورات صارت مشتركة بين العالم تقريبا، والثانية هي الحاكم، ما هي أخلاقه، وما هي مؤهلاته الروحية، وما هو تاريخه من سفك الدماء، وما هي علاقته بالناس، وكم كان عطاؤه للناس.

الكفاءة
لا أحد ينكر أهمية الكفاءة، وفي القرآن الكريم نقرأ قوله تعالى (يا أبت استأجره فان خير من استأجرت القوي الأمين)، لا ينكرها أحد، ولكن النزاهة هي الأول، هي المعيار الأول، ذلك أن الكفاءة يمكن تحصيلها بالتجربة، بالتعليم، يمكن التعويض عنها بمجربين، بخبراء، بقراءة، بتواصل مع أهل الخبرة، ولكن النزاهة خلق، وتاريخ، ودين، ومسؤولية، هي قضية ضمير، قضية تسالم مع الحق، وانصياع طوعي واعي مع السمو والرفعة، قلما تأتي بالتعليم، لأنها قضية ضميرية، تتعلق بعقيدة الإنسان، بتاريخه، بمحيطه التربوي، برؤيته للأشياء.
لا نريد أن نقول أن الأخلاق لا تتأتى بدون قاعدة فكرية غيبية، تتصل بالسماء، وتتلون بلون ميتافيزقي ممتد إلى تشوف روحي صرف، لسنا مع هذا الرأي بالضرورة، ولكن بل نحن من مبدأ الأخلاق بالذات، مبدأ النزاهة بالذات، بصرف النظر عن أسسه التي ينبع منها، نحن نتحدث عن قضية تجريبية، حسية، حيث نقول أن النزاهة السياسية، والنزاهة الاقتصادية والنزاهة في العلاقات، و النزاهة في التعامل مع العدو والمخالف، هذه النزاهة لها دور كبير في ترشيد الحكم فيما إذا كان الحاكم متصف بها، تابع لقواعدها، ملتزم بضروراتها ومستحقاتها.
النزاهة عملية داخلية، والكفاءة عملية خارجية، والأمل الكبير أن يجتمعا، أن يتفاعلا، أن يتداخلا، أن يكونا جناحي الحاكم العراقي الجديد، أو المسؤول السياسي العراقي الجديد
النزاهة من الصعب أن تأتي، ولكن الكفاءة من السهل أن تأتي، تلك سجية، وهذه عادة، تلك جوانية وهذه برانية، تلك ذات من الداخل، وهذه ذات من الخارج.
الشعب العراقي في حاجة إلى حاكم محكوم من الداخل بمسؤولية الضمير، حقا يحتاج إلى حاكم يحمل ذات طهورية، ذات رسولية، مترفعة، ليس تكبرا، بل لأن الوازع الأخلاقي يحتل مكانة جوهرية من تركيبته النفسية والروحية.
الشعب العراقي كغيره من الشعوب العربية والإسلامية يتأثر بالقدوة أكثر مما يتأثر في الفكرة، تلك حقيقة، وليس هنا مجال تحليلها، ولكنها ظاهرة لا لبس فيها، ولعل كان ذا تجربة عميقة ذاك الذي قال (الناس على دين ملوكهم)، فإن القدوة مسار خطير في عموم التاريخ الذي مر على شعبنا العراقي، خاصة اليوم، حيث الناس تتطلع إلى العدالة و الحق والخير.
إن الدستور العادل لا يعني بالضرورة حاكم عادل، فقد يكون هناك دستور جميل فائق الميزان، ولكن هناك حاكم يخل بهذا الميزان بكل صلف وبلادة، وعليه فإن إقامة العدل لا يحتاج إلى قانون عادل بل إلى حاكم عادل أيضا.
إن الحاكم المتخلق بأخلاق الحكماء والطيبين، ليس ضرورة لإقامة حكم العدل وحسب، بل هو ضرورة لصنع المجتمع العادل، العادل في مواقفه وسياسته وتصرفاته، فإن القدوة تخلق المجتمع، تغير المجتمع، تصنعه باتجاه فكرها وخيرها وشرها وجمالها وقبحها…
ينقل عن الرسول (ص) قوله: (كما تكونوا يولى عليكم)، هل في ذلك دلالة على أن الحكام منظومة حكمية اجتماعية؟.
نعم، بكل تأكيد.
إن حكام الجور يخلقون مجتمعا معقدا، باردا، متخلفا، رغم أن تحت وسائدهم دساتير جميلة، وقوانين رائعة وشفافة..
إن حكام العدل، حكام الخلق الرفيع يخلقون مجتمعا مفتوحا، شجاعا، متحفزا في سبيل الخير، ر غم أن ما في حوزته من دساتير وقوانين ظالمة مجحفة متخلفة.
كلمة الحاكم تنفذ عبر كل وسائل الإعلام، تُقرأ من قبل الملايين، وتفسر من قبل الآلاف، تصل كل أذن، تصرف الحاكم مرصود للنقد ومرصود للتقليد، ومرصود للاستغلال، لباس الحاكم مرصود للمحاكاة والتشبه، فهو حاكم، أي هو قدوة، هو قوة، سلطة، أمكانية، أمر ونهي، بيان، وبالتالي، لا يمكن أن نعزل تاريخه، وبالتالي ما يصدر منه قد يقلب فكرة، وقد يزرع فكرة، قد يخلق قيمة، قد يحذف قيمة، لان كل كلمة من كلماته، وكل تصرف من تصرفاته تقترن بمركب هائل من الممكنات والقدرات والتصورات والذكريات، تنفذ إلى حاسة السمع، وحاسة البصر، لتقبع في غرف التحليل، ولتقبع في غرف الأماني والرغبات، هناك يتحول الحاكم إلى بنية من الواقع المعقد…
الناس على دين ملوكهم…
كلمة ليست جزافية، وربما جاءت من معاينة، من معايشة، ومثلها لا تأتي من تأمل نظري ميتافيزقي مجرد، بل من واقع ملموس، من واقع معيوش.
إن الدعوة إلى تحكيم حاكم أخلاقي قضية قديمة، ضرب في سمائها علماء وفلاسفة الإغريق، وليس من شك أن مدينة الفارابي الفاضلة ليست بعيدة عن هذا المنحى، وهي في هذه التصورات حاجة نظرية، فيما نحن نتحدث عن حاجة واقعية، عن حاجة تتصل بمعاشنا، بدمائنا، نريد حاكما أخلاقيا بالمعنى الشعبي الدارج، حيث نفهم الأخلاق بهذه المعادلات البسيطة، أي الأخلاق التي نعلم عليها أولانا، ونربي عليها بناتنا، الحب والصدق والعدالة والشجاعة…
أن التوكيد على الحاكم المتخلق بالخلق الرفيع أدب شعبي، أدب تراثي، أدب علمي بلحاظ طبيعة شعوب الشرق، الشعوب التي ما زالت تحتفظ بجذوتها الروحية، ننطلق من تقديرات واقعية.

المزيد من الأخبار