مقالات

الآن.. الدور الهام للجيش

د. مهند البراك 9 / 08 / 2017 

يؤكد العديد من الخبراء و المراقبين الحريصين، على أهمية الإنطلاق من ظروف البلاد اليوم، الظروف التي شوّهت المجتمع، و جعلتها تعيش دمار مدن كبرى و هامة فيها، و يأتي التأكيد و الجيش و القوات المسلحة و تشكيلات مكوّنات البلاد تحقق النصر على داعش و تحرر الموصل . . ظروف اليوم التي تجعلها منتصرة، عليها ان تتهيأ للبناء و الإعمار و حل مشكلة مئات آلاف النازحين و المهجّرين في ظروف مالية شديدة المشقة..
و المطلوب منها استكمال النصر العسكري على داعش في مناطق تتمترس فيها فلوله و في اخرى تنشط مجاميعه الإرهابية و تصعّد من اعمالها الإجرامية ، اضافة الى ان عليها تصعيد جبهة مكافحة الفساد التي لن تجري الاّ بإعادة بناء مؤسسات الحكم على أساس المواطنة و الدولة المدنية الفدرالية المتطورة على اسس سليمة..
وبعيداَ عن التفاصيل التأريخية و الأكاديمية لتطوّر دور الجيش و القوات المسلحة في الدولة . . لابد من الإشارة الى ان دور الجيش و القوات المسلحة النظامية في الدولة الدستورية الحديثة و في ظروف البلاد آنفة الذكر، يتلخص بكونه مؤسسة مهنية تحافظ على أمن و سلامة البلاد بمكوّناتها وفق الدستور الذي صوّت عليه الشعب في الإنتخابات التشريعية، و أتُّفق على خطوطه الاساسية و على تعديل عدد من فقراته..
و ان الجيش لايتدخّل بالسياسة لصالح حزب و مكوّن ما و انما يدافع عن الوطن و عن مكوّنات البلاد وفق ما مرسوم له في الدستور، و الجيش في العادة و للضرورة يتّبع نظام الخدمة العسكرية الألزامية الذي يلتزم به كل المواطنين مهما كان دينهم او مذهبهم او قوميتهم كبدل وفاء لدوره الدفاعي عن وطن الجميع..
و فيما وحّدت المعارك الضارية للجيش و القوات المسلحة مكونات البلاد من الحشد و البيشمركة و العشائر ، و سالت دماء المقاتلين في مواقع القتال معاً ، أثبت الإنتصار على داعش مجدداً . . أهمية وحدة العراقيين في تحقيق الإنتصارات للدفاع عن وطنهم و تمريغ أنف المعتدي من جهة، و حقق تكوين عقيدته العسكرية الأساسية و هي القضاء على الإرهاب و على الطائفية و العرقية، و ليس انتصار مكوّن او طائفة على اخرى، من جهة أخرى.
فإن الجيوش في البلدان الدستورية تلعب دوراً هاماً في تحقيق التآخي لأبناء مكوناتها من خلال السلوك اليومي المحدد بقوانين وفق الدستور، في تساوي منتسبيه في المأكل و الملبس و التدريب اليومي العسكري او المهني والذي يحتاجه الجيش ـ و بالتالي عموم البلاد ـ في الميكانيك و السمكرة و التصليح و الطبابة و الطبخ اضافة الى الرياضة . . رغم درجات من وصوليات و حماس قسم لدعم ابناء مكوّنهم كإنعكاس لأوضاع المجتمع و بحدود ابتدائية لايمكن قياسها بخطورة مايجري في المجتمع الآن، و التي يمكن القضاء عليها بالرقابة الدائمة وفق قوانين صارمة تراعي الروح الإنسانية..
ان تكوّن الجيش على اساس المواطنة الحقيقية التي ترفع من كفاءته القتالية، هو رد هام على المحاصصة التي قسّمت المجتمع و وقوف حازم أمام مسعى اوساط متنفذة الى سيادة الفصائل الموالية لها و لولاية الفقيه الايرانية بحكم مرجعيتها للسيد علي خامنئي، موظفة لذلك اسم (الحشد الشعبي) و جعله بديلاً عن الجيش، وفق تصريحات مباشرة و غير مباشرة في اجهزة و وسائل الإعلام العراقية و العربية و وفق احاديثها في مجالسها . . بسرقة انتصارات الوحدات البطلة للحشد الشعبي التي استجابت لفتوى المرجعية العليا للسيد علي السيستاني، و التي قاتلت بضراوة و انتصرت على داعش ، و محاولتها تجييرها لها، في وقت تنشط في سوء معاملة جرحاها و شهدائها و مخصصاتها المالية و تجهيزاتها، كما تتناقل الصحف و المواقع..
غير مبالية بما سيحدث في البلاد المنكوبة من تفاعلات و ردود افعال من الدول الاقليمية و القوى الدولية التي لن تؤدي في حالة وصولها الى مسعاها الاّ الى تفاقم حدّة التطرّف و التطرّف الطائفي المقابل الذي سيسعى ليكون هو الموازن بدعم الدول المحيطة، فاضافة الى اختلاف اوضاع الشعبين و البلدين ـ الإيراني و العراقي ـ و اختلاف القوى المحرّكة للتغييرات فيهما، فإن الأوضاع الدولية و الإقليمية التي تزداد تفاعلاً و تشابكاً في الزمن الحاضر، لم تعد تشبه اوضاعها في زمن نجاح الثورة الإيرانية، قبل مايقارب نصف قرن.
و ان تكوّن الجيش على الأسس المذكورة اعلاه، هو الرد على كل من يتصور ان دور الجيش في وحدة البلاد هو القضاء على الآخر الشقيق و ابن الوطن و على من يختلف من مكوّناته، بالسلاح و العنف، حيث يتطلب تكوّن الجيش هذا . . الإيمان بالتعددية النابعة من تعدد الانتماءات على اساس التعايش معاً في الوطن الواحد، و نبذ التكفير و انهاء الميليشيات الطائفية المسلحة و تسليم اسلحتها للقوات الحكومية و التحاق المؤهلين من مقاتليها بالجيش وفق القوانين العسكرية الحكومية بعد تقديم الطلبات ثم الموافقات و تقدير و اقرار ماهية الرتب العسكرية.
من جهة اخرى، وضعت المعارك القاسية التي خاضها الجيش و بيشمركة كردستان كتفاً لكتف و سالت دمائهما الزكية معاً لأول مرة في خنادق مقاتلة داعش الإجرامية، كما عبّر رئيس الوزراء الإتحادي السيد حيدر العبادي و رئيس اقليم كردستان الفدرالي السيد البارزاني . . وضعت اسساً متينة للأخوة العربية الكردية في الدولة الفدرالية او الكونفدرالية و للآفاق. في وقت يرى فيه الخبراء و المجربون المحايدون ، ان تقوية الجيش ببنائه على اساس المواطنة و تساوي المواطنين في الحقوق و الواجبات على اساس الإنتماء لهوية البلاد . . هو الاساس لبناء دولة المواطنة المدنية القائمة على اساس الإنتماء للأرض الواحدة.

المزيد من الأخبار