مقالات

الفكـر السيـاسـي البابلـي ومنجـزه (1)

د. حسين الهنداوي 17 / 06 / 2017 

من الضروري في نظرنا الاستعانة الدائمة بدراسة المجالات العقلية الاخرى للبحث عن أفكار او منظورات فلسفية عندما لا نستطيع لسبب او آخر العثور عليها بشكل مستقل في الحدود الراهنة لمستوى معلوماتنا عن الكتابات التأملية لدى هذه الحضارة او تلك. وهذا الأمر يغدو اكثر بداهة عند السعي الى فرز منظورات او مذاهب في الفلسفة السياسية قائمة بذاتها لدى منتجي او مبدعي الثقافات القديمة بل حتى الوسيطة والحديثة. وهذه الاستعانة يبدو لا مناص منها عندما يتعلق الأمر بثقافات شعوب ضاربة في القدم كالسومريين او البابليين او سواهم. فشحة المصادر الممكنة وضياع او فقدان النصوص الاصلية لحد الآن، يجعل من الملاحم الادبية والشرائع القانونية وحوليات التاريخ والتراتيل والطقوس الدينية منهلا ثمينا احيانا لتحديد وتقييم هذه الفكرة النظرية اوتلك.
والفلسفة، بطبيعتها، لا يمكن ان تنفصل عن مجالات الحياة الروحية الاخرى التي تعبر عن نفسها ايضا بالاعمال الفنية ونمط العمارة والحياة الاخلاقية او الاجتماعية او السياسية، بل “لا وجود لفلسفة اذا لم تقترن بمجهود يرمي الى وضع تراتب هرمي للقيم” كما استنتج المؤرخ الفرنسي اميل برهييه في دراسة شهيرة عن الفلسفة اليونانية تضمنها الجزء الاول من كتابه الكبير “تاريخ الفلسفة” الذي ترجمه الى العربية المفكر السوري جورج طرابيشي كواحد من اهم انجازاته اللامعة الكثيرة. وهو استنتاج يجعل من الشواغل الدائمة لمؤرخ الفلسفة ان يبقى على تماس بالتاريخ السياسي العام الذي قد يكون هو واحيانا وحده، او غيره من مجالات الحياة العقلية، موضوع البحث الفلسفي، بدل ان يتطلع الى عزل الفلسفة بوصفها نهجا منفصلا عن سواه.
على هذا الاساس، نستطيع الاستنتاج، نحن ايضا، ان العراقيين الاوائل حققوا في مجال الفكر السياسي منجزات أصيلة ومعقدة ومتقدمة لا سيما منذ مطلع الألف الاول قبل الميلاد، اي قبل ولادة الفلسفة السياسية الاغريقية الكلاسيكية بنحو خمسة قرون على الاقل. وهي منجزات قد يقف وراءها زعماء بارزون او مصلحون سياسيون او مفكرون او فقهاء، إلا إنها تعبر في كل الاحوال عن مقتضيات موضوعية أملتها طبيعة المرحلة التاريخية الخاصة بتطور مجالات وأنساق وأحوال الحضارات العراقية الاولى ذاتها وفي مقدمتها الحياة السياسية، سواء لعامل الحاجة الى تنظيم العلاقات الداخلية المتسارعة التطور والمتراكمة الصعوبات والتناقضات، أو بسبب الاخطار والتهديدات الخارجية المحدقة أكثر فأكثر، مع تطور القوة العسكرية الساسانية او الاغريقية، واحيانا بفضل انتشار نور حضارة السومريين او البابليين ذاتها او كإرتدادات حتمية لنزعاتهم ومغامراتهم التوسعية، وأيضا كحصيلة لتعاقب في الدول والسلالات المحلية يندر وجوده في اي بلاد أخرى.
والتاريخ السياسي للعراق القديم بلا بداية معروفة حتى الآن بعد ان ثبت امتداده الى ما قبل الطوفان بأزمنة. وهو، حضاريا على الاقل، بلا نهاية واحدة او ثابتة حتى اذا موضعنا مداه السياسي بين قيام اولى الدّويلات السّومريّة القوية في حوالي 3500 ق.م، وبين سقوط عاصمة الدولة الكلدانية، بابل، في حوالي539 ق.م تحت الاحتلال الفارسي بقيادة الملك كورش الذي وقف، كما تؤكد معلومات تاريخية متواترة، مذهولا امام عظمة العبقرية البابلية في كل المجالات وفي مجال الفكر السياسي ايضاً. فذلك التاريخ ينقسم الى عهود كبرى بدءاً من العهد السومري الاول حتى 2370 ق.م، ثم العهد الأكدي الذي وحّد البلاد كلها تحت سرجون الاكدي واستمر حتى 2220 ق.م، ثم الانبعات السومري وقيام دولة سلالة أور الثّالثة التي وحّدت البلاد من جديد على يد شلغي وميسلم واستمرت حتى  2003 ق.م، تلاها قيام العهد البابلي الاول (2000 ق.م – 1162 ق.م) مع حمورابي الذي أعاد توحيد وازهار البلاد، تلاه العهد الآشوري (1162 ق.م – 539 ق.م) الذي بلغ اوج مجده مع اشور بانيبال وانتهى بقيام الدولة الكلدانية (609 ق.م – 539 ق.م) التي بلغت ذروة مجدها مع نبوخذ نصر الثاني (605 ق.م – 562 ق.م).
صحيح، انه من الصعب في الوضع الحالي من شحة ودقة النصوص السومرية والبابلية المترجمة التي وصلتنا، ان نجد نصوصاً فلسفية او نظرية مستقلة تتضمن او تكشف عن المفاهيم الرئيسية التي طورها الفلاسفة البابليون عن القضايا السياسية والايديولوجية، او تنظيراتهم حول أنماط نظم الحكم الأنسب لإدارة الشؤون السياسية او العامة للدولة الخاصة او المجتمع. ومن هنا الاضطرار الى البحث عنها بهدف جمعها وتنظيمها اينما وكيفما وجدت سواء بشكل مباشر في النصوص الدينية او الادبية او التاريخية او حتى الاقتصادية المؤكدة الأصل السومري او البابلي المتوفرة، او بشكل غير مباشر في الاحداث التاريخية المعقدة والتقلبات الكبرى ما يستدعي قراءة الشواهد الملموسة والشهادات الأجنبية فضلا عن استقراء او تأويل بعض تلك النصوص البابلية الاصلية ذاتها.  
بيد إن الشكل المتطور والمنظم لبنى الدولة ومؤسساتها خاصة في عهد أشهر ملوك بلاد الرافدين القدامى كميسلم او سرجون او حمورابي او اشور بانيبال او نبوخذنصر مثلا، يؤشر بذاته على التقدم السياسي الكبير الذي عرفه العراقيون القدماء، الذين نجحوا مبكرا بتوحيد البلاد وبناء اول امبراطوية في العالم القديم يمتد نفوذها السياسي والعسكري والحضاري من الابيض المتوسط حتى سلطنة عمان، إلى جانب ما ابتكروه من شرائع قانونية متطورة ليست شريعة حمورابي الا اشهرها سعت الى تنظيم الحياة الداخلية والخارجية للدولة والمجتمع على اساس قيم العدالة والتضامن والسلام والعلاقات الانسانية المشتركة. كما أقروا مبدأ المساواة بين البشر في عالم واحد يديره قانون عالمي عادل وشامل، بل وضعوا اول لبنات ما عرف بالقانون الدولي عبر ابرام أقدم معاهدة دولية في التاريخ. حيث تشير كتابات سومرية مكتشفة الى ابرام معاهدة دولية في حوالي عام 2550 ق.م بين دويلتي لجش واوما وكانتا من اقوى دويلات المدن السومرية المتنافسة، انتهت بموجبها نزاعات عسكرية استغرقت اجيالا على الاراضي الزراعية والمياه وطرق التجارة.
وعلى العموم، تؤكد كافة الدراسات حول تاريخ الفكر السياسي أن الحضارات العراقية القديمة حققت انماطاً متطورة من التنظيم السياسي والإداري، كان بعضها موضع استلهام او اقتباس من قبل الحضارات والمجتمعات الاخرى في الشرق والغرب خلال عصور ما قبل الميلاد في الاقل.
على المستوى التاريخي المحض بالمقابل، لدينا من المعطيات المادية الكافية لأثبات ان العقل السياسي العراقي القديم أبتكر عدة أنساق من النظم السياسية الواقعية والمعقدة نسبياً. وقد عرف بعضها تحققاً تاريخياً هنا او هناك، ونجح الى هذا الحد او ذاك في الصمود الى أمد زمني طويل او آخر، تبعاً للشروط الموضوعية والتطورات والتغيرات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية المواكبة وقدرته على التكيف معها أو الاستفادة منها. واذا كان غياب النصوص الاصلية الفلسفية او الفكرية، يحرمنا لحد الآن من امكانية التحدث عنها بشكل منهجي واثق، فان قراءة معمقة للتجربة التاريخية ذاتها ومعطياتها الخاصة المؤكدة، والمعززة بالكتابات الدينية والمالية والادارية واثباتات ملوك الدول السومرية والبابلية خلال الفترة ما بين منتصف الألف الخامس ومنتصف الألف الاول قبل الميلاد، تقدم لنا مادة نظرية تفصيلية مهمة حول ماهية وملامح تلك الانساق وتنوعاتها الخاصة، وكذلك مديات التحقق واسباب النجاحات والاخفاقات التي اقترنت بها.
ونحن نعتقد بامكان أخذ التمثلات الميتافيزيقية التي تقدمها النصوص الدينية لدى السومريين مثلا، بشأن هرميات وهيكليات ونظم مجمع الالهة ومسؤوليات كل منهم في حقبة تاريخية او اخرى، على انها تعكس ضمنا او مجازا طبيعة نظام الحكم السائد في مجتمع المدن والدويلات السومرية إبان عصر فجر السلالات، ما يعني أن ما ورد عن تنظيم مجمع الألهة فيها ما هو الا محاكاة تأملية يمارس فيها الكتاب السومريون في فترة او اخرى عملية تجريد لنمط نظام الحكم الفعلي في دولهم ومجتمعاتهم عاكسين اياه على نمط سلطة او دولة مجلس الالهة، الذي كان ينعقد بين حين وآخر برئاسة اله السماء (انو) أو (انليل) لتقرير المصائر والاقدار ومواجهة الاخطار الداهمة مانحا الالهة كبارا وصغارا حق ابداء الرأي والاعتراض حول كافة القضايا التي تخص شؤون عالم الغيب وحتى عالم الوجود احيانا.

المزيد من الأخبار