مقالات

رجال الصدق وصدق الرجال

حسين الصدر 17 / 06 / 2017 

-1-
ما أكثر من يصنفهم الناس في الرجال… وما أقل الصادقين منهم..!!
ألم يقل مهيار الديلمي
ما أكثرَ الناس وما أقلَّهُم
وما أَقلَّ في القليلِ النُجَبا
-2-
ورجال الصدق قليلون:
أين الصادقون في أقوالهم ؟
أين الصادقون في أفعالهم ؟
أين الصادقون في وعودهم ؟
أين رجال الصدق في الوطنية ؟
أين رجال الصدق الذين يستوي عندهم الظاهر والباطن، والسر والعلن ؟
ألم يقل الرصافي:
لا يخدعَنْكَ حديثُ القوم في الوطنٍ
فالقومُ في السرّ غيرُ القوم في العلن ؟!
-3-
تأملوا في قوله تعالى:
(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا )
إنّ (مِنْ) هنا تبعيضيّة، بمعنى انّ بعض المؤمنين يتصفون  بالصدق مع الله، وبالصدق في ما عاهدوه عليه، أمّا الآخرون فهم – وان كانوا مؤمنين – فانهم لم يرتقوا الى تلك الروابي الشامخة..!!
-4-
ولا شك انّ شهداءنا الابطال الذين سالت دماؤهم الزكية في مواجهتهم الساخنة لأعداء الله والانسانية من الدواعش الأوغاد، هم في طليعة الصادقين.
ولا شك أيضاً في أنّ مقاتلينا الأشاوس، الذين يخوضون الآن ملاحم البطولة مع التكفيريين المجرمين، هم رجال صدقٍ في الدفاع عن الدين والشعب والوطن ,
انهم من مفاخر الرجال…
وانهم حملة الأوسمة الفريدة سواء كانوا من الجيش أو الشرطة أو الحشد الشعبي أو من أي فريق مقاتل آخر…
-5-
والصدق مطلوب لا في ميدان القتال فقط،
انه مطلوب في كل آن:
في السراء والضراء،
في السلم والحرب معاً،
وفي كل المسارات والدروب.
-6-
ولا مجال للمقارنة بين ما يحتله الصادقون في وجدان الأمة من مكانة متميزة، وبين ادعياء الصدق الذين لا يُحسنون الا فنّ التلاعب بالألفاظ والتحايل على الناس وعلى الحقائق…
وكما قال الشاعر:
وأينَ الثريا وأين الثرى
وأين معاوية من علي
-7-
ولا نريد هنا ان نتحدث عن صدق الانبياء والأوصياء في أفعالهم وأقوالهم ومواعيدهم… فذلك ما لانبلغه ولا نستطيع ان ندرك شأوهم، وانما نريد ان نتحدث عن رجلٍ لا يختلف عنا في شيء من الأشياء، لنرى كيف استطاع هذا الرجل أن يحفر ذِكْرَه المجيد في ذاكرة التاريخ، الذي اعتبره واحداً من أبرز رجال الصدق،
 واليك القصة كما جاءت في موسوعة الكنايات العامية البغدادية للمرحوم عبود الشالجي ج1 ص249 نقلا عن كتاب (المكافأة) لأحمد بن يوسف الكاتب الذي قصَّ قصة رجل محبوس أطلقه السجّان بناء على وعدٍ وَعَدَه به بان يعود بعد ثلاثة ايام، فعاد قبل انتهاء المهلة.
وتفصيل ذلك مارواه أحد ثقات أحمد بن طولون قال:
رايتُ في حبس أحمد بن طولون رجلاً طال بقاؤه في الحبس، وكان مُكِبّا على الصلاة والتسبيح، لا يسألنا شيئا من أمره،
فقلتُ له يوما:
الناس يضطربون في أمورهم، ويسألونني اطلاق الرُقع الى ذوي عناياتهم،
وأنت خارج عن جملتهم،
فجزاني خيراً ولم يزد،
فرّق له قلبي وقلتُ له:
لو استجزتُ اطلاقك بغير اذن لفعلت،
ولكن استعنْ بي في أمرك، فقال:
والله، ما أعرف في هذا البلد غير أبي طالب الخليج (وكان يتولى شرطتيْ أحمد بن طولون بمصر )
ولو وصلتُ اليه سرّا او برسالة ممن يفهم، لرجوتُ تسهيل أمري فقلتُ له:
والله لآتينّ في أمرك ما أخطر به نفسي،
أنا أطلقك سرّاً على أنْ توثقني بأيْمَانٍ محرجة انك لا تهرب عني، ولا تخفرني، فقال:
اذا كنتُ عندك بمنزلة مَنْ يُشكّ فيه فلا حاجة لي باخراجك اياي،
فأطلقتُه مِنْ غير يمين، على أنْ يقيم ثلاثة ايام ويعود،
فأطلقته ليلة الجمعة، على أنْ يصير اليّ ليلة الاثنين،
فلما كان سحر يوم السبت وافاني لمّا فتحتُ باب السجن، وقال:
بعثتُ الى أبي طالب الخليج امرأةً من أهلنا، وطويتُ عنه اطلاقي،
وسألته أنْ يلطف في أمري، فوعد بذلك، وخلّف المرأة حتى ترجع اليّ
الجواب،
وركب الى الأمير عشية الجمعة، فأقام الى قريب من العتمة، ثم انصرفت المرأة اليّ فقالت :
عاد ابو طالب مغموماً وقال:
كلمتُ الأمير فقال:
والله لقد أذكرتني رجلاً يحتاج الى عقوبة،
ثم تقدّم الى من يصير بك اليه عند جلوسه يوم السبت، فياليتني لم اتكلم في أمرك، فلما سمعتُ ذلك، بكرت اليك مع ما تيقنتُهُ من أمري، خوفاً من ان يأتيك رسولُه فلا يجدني فيلحقُكَ مكروه منه،
ورأيتُ أنَّ كلّ ما توعدني به أسهل عليّ من أنْ أخفرَ ظنَكَ بي “
وهذه القصة جديرة بان تحظى منّا بعناية مركزة لأنها غنية بالدروس:
1 – قد يُلقى في غياهب السجون مَنْ هو من رجال الصدق في العبادة والورع،
لا لشيء الاّ لأنه يأبى مهادنة الحكّام الظالمين… والاّ فهو ليس من ذوي العدوان – كما هو حال الرجل الذي ألقى في سجن ابن طولون والذي تحدثت القصة عنه.
2 – ومن الأدلة على انه من رجال الصدق، امتناعُه عن أداء اليمين، ووفاؤه بالوعد للسجان الذي أطلقه، مع ما يتضمنه ذلك من مخاطر كبرى على حياته..!!
ونحن نرى هذه الايام من يسارع الى القَسَم ولكنه سرعان ما يتناقض مع ما أقسم عليه..!!
3 – يتجلى النبل والمروءة في عودة الرجل الى السجن قبل الفترة المسموح له فيها مِنْ قِبَل السجّان أنْ يكون بعيداً عنه – لكي يطمئن على نجاة السجّان المحسن اليه من المساءلة والعقاب.
لقد آثر ان يتلقى العقوبة بنفسه ليدفعها عن غيره.
وهذه هي المروءة العالية، والنبيل في أبهر صوره وأحلاها.
وموطن العبرة الكبير في هذه القصة:
ان رجال الصدق يأبون أنْ يصاب أحد بسوء، بسبهم ومِنْ أجلهم، ويفضلّون أنْ يدفعوا حياتهم ثمنا للحفاظ على ثوابتهم ونقائهم، وهم يقتحمون أسوار التاريخ كما يقتحمون القلوب بلا استئذان.

المزيد من الأخبار