مقالات

ويتساءلون « ياذيب ليش تعوي؟»

حمزة مصطفى 29 / 05 / 2014 

في منظومة القيم الاجتماعية العراقية التي عبرت عن نفسها بصيغ ابداعية مختلفة منها الشعر المحكي بانواعه الريفية والحضرية والبدوية تستوقفنا ثلاثة نماذج يصعب تخطيها عند دراسة التحولات التي مر بها المجتمع العراقي. النموذج الاول يمثله الحاج زاير مبدع قصيدة  «ياصاح عودي ذبل». والثاني  ملا عبود الكرخي صاحب «المجرشة» او «قيم الركاع». والثالث جبار عكار الذي ادى القصيدة البدوية المشهورة «ياذيب ليش تعوي» بطريقة يصعب تكرارها حتى صارت ماركة مسجلة باسمه. علي الوردي في مجال علم الاجتماع سعى الى ربط عجلة التحولات المتسارعة بحركة الادب والشعر من خلال سلسلة كتبه لعل في المقدمة منها في هذا الميدان «اسطورة الادب الرفيع».
اليوم نعيش حقبة مختلفة تبدو للاسف في غاية الجدب والتقهقرعلى مختلف المستويات. ليست هناك روح ناقدة وثابة قادرة على الحفر في قاع المجتمع برغم التحولات الهائلة التي حصلت في غضون العقدين الماضيين والتي ادت الى تجريف كامل في منظومة القيم الاجتماعية والمجتمعية معا دون ان نجد ما يلقي الضوء عليها في اي ميدان من ميادين الانتاج الفكري والابداعي. واذا كان لا يوجد بيننا الان من هو في مقام الجواهري صاحب اكبر قصيدة ناقدة للاوضاع انذاك «اي طرطرا تطرطري» او الوردي او حاج زاير او الكرخي او عكار, فإن هؤلاء جميعا ظهروا في حقب «نتحسر» عليها الان.
 حين نتأمل واقعنا الان ونحن في عصر العولمة والبلاكبيري والفيسبوك والايفون وتويتر وكل منظومة الاتصالات والثورة التقنية فان  حاج زاير وملا عبود او حتى جبار عكار فضلا عن الوردي والجواهري عبروا عن عدم رضاهم عن واقع يتطلعون الى ماهو افضل منه. بينما نحن الان وفي ظل التناقض الحاد بين اسلام سياسي حصد اصوات الناس في الانتخابات الاخيرة برغم رفضهم لمستوى الفساد بل والانحطاط الذي ابطاله من هؤلاء الماسكين للحكم باسم الحاكمية سنة كانوا ام شيعة , في وقت لايزال البديل الديمقراطي يحبو دون مستقبل واضح المعالم فانه يحق لنا القول استذكار بعض كشوفات هؤلاء المبدعين لعل فيها ما يلقي الضوء عن حجم المغالطة بين الامس واليوم. فالحاج زاير ختمها منذ لك الزمان بالقول «لا تنهضم عل سبع لو صار علفه تبن واليوم حتى التبن علف السبع مايصح».. او ملا عبود الكرخي الذي يقول في قصيدته «قيم الركاع» عن برلمان ذاك الزمان «برلمان اهل المحابس والمدس
عكب ماچانوا يدورون الفلس
هسه هم يرتشي وهم يختلس
ولو نقص من راتبه سنت انعقچ
قيم الركاع من ديرة عفچ».
اما الجواهري في «طرطرا تطرطري» عبر عن واقع حال يكرر نفسه اليوم باقصى ما يمكن من كوميديا سوداء. هذه الكوميديا السوداء تجسدت في صوت جبار عكار وهو يخاطب الذئب الذي يعوي في الصحراء قائلا له بصوته الرخيم  وعلى اوتار ربابته الشهيرة « ياذيب ليش تعوي حالك مثل حالي .. لقمان ما طيبك جرح بالبدلالي». بدورنا لانعرف حقا من هو صاحب الحق .. أهو الذئب الذي يعوي مطالبا بحقوقه المشروعة طبقا للدستور؟ ام عكار الذي اصابه القنوط حتى من حكيم بمستوى.. لقمان..

المزيد من الأخبار