مقالات

متى نتصالح مع الطبيعة؟!

د. هاشم حسن 20 / 04 / 2014 

أثارَ اعجابي ومخاوفي في الوقت نفسه معرض الزهور العالمي الذي اقامته امانة بغداد في حديقة الزوراء لمناسبة موسم الربيع، ولاعلاقة لذلك بترويجات السيد عبوب والعاملين معه لحملاتهم الانتخابية لسنوية هذه الفعالية.
مصدر الاعجاب ان العالم ومن خلال الاجنحة الدولية لمختلف انواع الزهور والنباتات وحجم الجمهور الذي تجول في اجنحة المعرض الخضر واتساع نسبة الاقتناء والشراء كلها تؤشر ان العالم ما زال يأمل باستعادة العراق لدفق الحياة، واننا مازلنا نمتلك بصيصا من الامل لبقاء الحد الادنى من الذوق السليم وعشق الطبيعة والاحساس بجمالها برغم دموية الارهاب وتكالب الفساد، وهما من ابرز المحبطات النفسية التي تدفع الانسان الى الاكتئاب والشعور بالاغتراب، فلايحس بجمال الحياة وروعة الطبيعة حتى لو وضعته في جنة الفردوس وغابت عنه الرعاية الالهية التي تحمية من قتل الارهابيين جسديا، واغتياله معنويا من المفسدين.
مشاهد تؤسس لثقافة جديدة لم نعتد عليها إلا في نطاق ضيق ومن خلال عوائل قليلة جدا سمح لها وضعها الاقتصادي واتساع حدائقهم المنزلية وثقافتهم العائلية للاهتمام بالزهور والنباتات، وتخلفت عن ذلك ملايين الاسر التي لم تجد لها السكن اللائق لكي تفكر كما تعتقد بهذه الكماليات، برغم ان اهل لبنان ومصر واليونان يؤسسون لهم اجمل الحدائق في بلكونات صغيرة تهبط منها النبات المتسلقة والزهور التي لم نجد مثيلا لها في افخم القصور!
إن الاطلاع على طريقة تسويق ونقل النباتات في شاحنات تصل من هولندا لبغداد عبر الاف الكيلومترات تكشف اسرارا عجيبة لهذه التجارة التي تنافس النفط في موارده وتؤشر عن الدور الريادي لكليات الزراعة والمراكز البحثية في خلق حضارة الزهور والنباتات وتطويرها نوعيا من خلال نتائج البحوث الحقلية وليس دراسة الزراعة في صفوف تقليدية وتلقينات نظرية تكرر النظريات ولا تقدم للارض ما يحييها ويفجر طاقاتها الخلاقة لخدمة الانسان وجمال المكان.
يطول الحديث، ولكننا ندعو الى إدامة هكذا نشاطات من خلال دعم مراكز البحث الزراعي والاهتمام بالمساحات الخضر وحماية اصحاب المشاتل من الديناصورات الاستثمارية التي تحاول ابتلاعها لإقامة كازينوهات لشرب الاركيلة واشاعة سلوكيات لتدمير اخلاق الشباب وهدر اوقاتهم في متع ترفيهية غير بريئة، وتحويل العاصمة الى كتل من الكونكريت الاعمى واستئصال الرئة الوحيدة التي يتنفس فيها المواطن البغدادي النسيم العليل على امتداد شارع فلسطين ومناطق اخرى تتناثر في العاصمة، وهي مهددة بالمد الاستحواذي من اعداء الطبيعة عشاق تنمية الكروش وجمع الفلوس..! فمتى نتصالح مع الطبيعة لتتسع في بلادنا الحدائق وتتقلص المطاعم؟!، فللعيون حقوق قبل حقوق البطون، مبادرة جميلة ان تجتمع زهور العالم في بغداد، وكنا نأمل منع تطفل البعض من المعنيين على ادارة المعرض وحمايته وابتزاز اصحاب الاجنحة واحراجهم والضغط عليهم لتكريمهم وضيوفهم بنبات بالمجان وهي تكلف اصحابها مبالغ كبيرة بالعملة الصعبة لاسيما الاجنحة غير العراقية ما اعطى انطباعات سيئة عن الادارات العراقية برغم انها تصرفات فردية. نريد تشريعات لاحترام البيئة وتقديس المناطق الخضر التي تشكل حزاما للمدن او امتدادا للشوارع العامة، والسعي لتطويرها وانشاء حدائق اخرى تنافس الزوراء وتضاهي ما يتفاخر به العالم من حدائق في بغداد والمحافظات كافة. واشاعة ثقافة وفلسفة حب الطبيعة، لأننا نخشى ان نتحول الى شعوب لاتعرف غير أكل اللحوم والتفكير بموائد الطعام وطرق التهامه مثل الانعام، فتكبر البطون وتصغر العقول، ونفتقد الاحساس بالجمال، فتشاع القسوة ونتحول الى آكلي لحوم، وليس طلاب علوم وعشاق زهور!

المزيد من الأخبار