ثقافة

قراءة في شعر هائم العراق الشاعر سامي موريه

بغداد- كهرمانة نيوز 3 / 05 / 2013 

نحن امام شاعر عراقي الوطن متمسك بلغة الام، لغة الروح والمشاعر والحنين، يكتب الشعر، والابحاث العلمية حبا في الادب العربي، محور حياته وعواطفه حب وطن طرده، اضناه الحنين الى مسقط رأسه بعد ان سلبه هويته وتراثه وماضيه واملاك عائلته ونكبه بحب وطنه الام والرافدين اللذين ارضعاه خلال قرون طويلة من مائهما الفرات، وزادوا امعانا في تعذيبه بان دمروا سواد النخيل وخيرات الارض المعطاءة وتركوها قاعا بلقعا، محاولين ان ينسى هويته، وحبه لكل ما هو عراقي، ارادوا ان يعلموه الكراهية والحقد والانتقام، ولكن هيهات. فما هو السر في هذا التشبث العجيب بتربة العراق الحبيب؟ 

إنك لتعجب عندما تبحر في قراءة شعر سامي موريه بهذا الكم الهائل من الحب الذي يسكن قلب الشاعر، وظل يربو منذ أن غادر العراق مرغما، فخارطة الشعر عند موريه تبدأ وتنتهي بالعراق، ضفاف دجلة والرافدين ووشوشات النخيل، وغير ذلك من عبارات وصور، كلها تنطق بأن موريه أسير عشق لا ينتهي.

 لا تشعر في شعره ولا تدرك غير هوية واحدة نقشها بحروف العشق والألم والحنين، ولا تُسجل الكلمات والصور غيرها، إنه العراق الذي يحمله موريه في قلبه ويرسم به محياه، ويجعله رفيق حياته وأحلامه، حتى استحال الحب كسقم لا يملك فكاكا منه.

  العراق وبغداد يمثلان بوصلة أي إبحار شعري في عالم قصيدة موريه، هذا العالم الذي يسكنه الشاعر بكل آهاته وأشواقه، ووهب له حياته، في انتظار لحظة عناق فقدها منذ ما يقارب الستین عاما، هو عمر الفراق

  يتواضع أي حب آخر أمام عوالم الحب التي بناها موريه لحبيبه العراق ولمعشوقته بغداد، إنه حب عذري ظل صامدا متعاليا على كل زبد يطفو على طوفان الهيام، فلا يهوديته ولا سنين الفراق الطويلة ولا تغير وجه المحبوبة يُبدّل أو يغير من عشقه لليلى العراق

  يطرق موريه أبواب الشعر كما يطرق أبواب محبوب، يطرق على القافية والتراث والرمز لعل واحدا منها يملك سر اللقاء، أو على الأقل يوقظ في نفسه سكرات الذكريات في لحظات هذيان شعري، يركب تيار الحلم ليعود من خلاله إلى العراق روحا من غير جسد.

  موريه ليس مجرد عاشق للعراق، بل هو أكثر من ذلك، فلا أقل أن يقال عنه: إنه في حالة هيام عمرها أكثر من ثمانية عقود، وقف زمنه الشعري على أبواب العراق لحظة الفراق، وأي زمن آخر يُطلّ في قصائده ليس أكثر من جسر ينقله إلى الماضي محملا بالحنين والاشتياق.

  الأم لدي موريه هي الماضي، هي العراق، هي الصوت الذي يصنع أحلامه، ويوقظ فيه الماضي الجميل، الذي مثل فيه الرحيل عقدة في حياة الشاعر ظلت تؤرق عليه عوالمه الشعرية، فجاء شعره كله بمثابة براءة من تلك اللحظة التي أحالت أحلام الشاعر ومستقبله إلى ذكريات

  يوظف موريه اللغة بما فيها من رموز وأصوات لتجسد حالتي الحزن والحنين، ويجعل من الحلم وسيلته لبعث الزمان والمكان ؛ لأنه (أي الحلم) طريقه لأن يعيش في العراق، وهذا ما يجعلني أدعي أن موريه لم يغادر العراق، فروحه ساكنة فيه، والعراق يملا عليه كل حياته في انتظار لحظة اللقاء، التي هي لحظة العناق الجسدي، لأن روحه لم تغادر العراق منذ أن غادره الجسد، فالعراق يعيش فيه، وهو يعيش في العراق في اتحاد فطري لا يملك فيه لا الزمان ولا المكان أي جبروت لصنع الفراق بينهما، ولا أبلغ من وصف حاله مع العراق من قوله:

حبها في دمي صارَ عِلة

لذلك فهو يحلم بلحظة اللقاء، ليطفئ لهيب اشتياقه للعراق

بربك هل من سبيل لأطفي صبابتي

وأعود يوما إلى العراق

ب- توظيف التراث في شعر سامي موريه

  يشكل التراث في قصائد موريه منبعا خصبا لبنية النص الرمزية، يكثف به المعنى، ويؤسس فيه لمفارقات عدة، فحضر المورث العربي، ولا سيما العراقي، بكل أصنافه سواء أكان تاريخا أو شعرا أو نصا دينيا، وكثيرا ما كان يعيد موريه تشكيل الموروث من جديد في نصه، لينتج دلالات جديدة، ففي قصيدة (لماذا) لم ينقل موريه المثل نقلا اعتباطيا، بل أعاد بناءه بما يخدم بنية الفكرة، فعندما حضر المثل الشعبي ( يأكل الأبناء الحصرم والأهالي يضرسون ) في نصه الشعري، أعاد سامي بناء المثل، فقلبه، وأخرجه في صورة جديدة تمكّنه من أداء معنى رمزي في ثنائية جديدة هي ثنائية الحكام والشعوب، فبينما الحكام في صوامعهم وقصورهم هانئين في عوالم البذخ، تدفع الشعوب عواقب سياساتهم من جوع وخوف وظلم:

ولماذا يأكل الحكام الحصرم

ويشربون هانئين

والأبناء يضرسون، جائعين، خائفين، مغتصبين؟

 

  وهناك مفارقة في البنية الرمزية للمثل ؛ لأن تصوير الشاعر للعلاقة بين الحكام والشعوب في القصيدة في ضوء ثنائية الآباء والأبناء فيه تكثيف للحيرة المسيطرة على مناخ القصيدة، فهذا الظلم ليس ظلما بين مستعمر وشعوب، بل هو ظلم من دم واحد، مما يزيد من صدمة الشاعر التي عبر عنها من خلال حضور الاستفهام على مساحة كبيرة من قصيدته، إذ تكرر في قصيدته القصيرة سبع مرات، وغالبا ما كان يختمها بقافية النون (جائعين، خائفين مغتصبين)، بما فيها من سكون يحيل إلى الحزن والألم

  ومن الموروث العراقي يستحضر موريه مأساة الحسين ؛ لتجسيد مأساته ومأساة وطنه، فالشيخ الحزين في قصيدة (نار الحنين) هو سامي نفسه، والحسين هو العراق الذي ينوح عليه الشاعر ويبكيه في أماكنه المحفورة في ذاكرته

كما يستعذب شيخ حزين

دامي الجبين

مناحات الحسين

على ضفاف الرافدين !

والماء الفرات !

 

  وتتكرر هذه البنية الرمزية بشكل أكثر عمقا وأشد تكثيفا في قصيدة (كفاك ضياعا يا عراق)، عندما يبحر موريه بسفينة الذكريات إلى الماضي البعيد، وراء سواد الحاضر ؛ ليستعير منه صورة قديمة يسقطها على الحاضر إسقاطا جدليا، يهدف إلى إيقاظ قلوب وعقول حكام العراق، لعلهم يجدون فيها المثل الذي يتقدى به في الحوار والخطاب، وتلك الصورة تحضر في شعره ببيت شعر يحمل وراءه قصة ذات مغزى ودلالة، وهو بيت لعلي بن الجهم البدوي الغليظ الذي تمكن المأمون بفرط ذكائه أن يزن كلامه بميزان الحكمة والعقل، وأن يدرك القيمة في كلامه، وإن كسيت برداء وفكر بدوي، عندما دخل عليه الجهم مادحا

أنت كالكلب في حفاظك للود   وكالتيس في قراعك للخطوب

أنت كالدلو لا عدمناك دلوا    من كبار الدلا كثير الذنوب

  فما كان من المأمون إلا أن أمر له ببيت على دجلة، أقام فيه ستة أشهر، رق فيه قلب الشاعر، ورقت ألفاظه، فجاءه منشدا قصيدة في غاية الرقة، حتى خشي عليه المأمون أن يذوب رقة ولطافة، أولها:

عيون المها بين الرصافة والجسر  جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

 فموريه يوجه رسالة إلى حكام العراق، يدعوهم فيها إلى أن يقتدوا بالمأمون، وأن يتركوا التكالب بينهم والخصومة التي حولتهم من أحباب إلى أعداء يتربص بعضهم بعضا:

يا شراعا وراء دجلة يسري

رغم دموعي تكالبتك العوادي،

بكت ” عيون المها، بين الرصافة والجسر

وراء السواد

  إن التناحر على السلطة بين أبناء العراق، يعيد للذاكرة مشهد كربلاء ومأساة الحسين، والتي هي غير بعيدة عن الواقع عندما يجعل الشاعر من العراق الحسين نفسه ومن أرضه كلها ساحة كربلاء. وبتلاعب لفظي بليغ في لفظ كربلاء، يولِّد موريه ويبني صورته الرمزية الجديدة، فتصبح ( كرّ البلاء) دالا لفظيا على رمزية الصورة بما فيها من عناصر: الحسين، كربلاء، العباس:

في وقعة أمير شباب الجنة تسيل

هنالك كرّ البلاء

في كربلاء

  وزاد موريه من الصورة الرمزية عمقا عندما قدّم المأساة الجديدة بعبارات الندب المشهورة في التراث العراقي، ولكنه ليس ندبا على الحسين t، إنما هو ندب على حسين جديد وكربلاء جديدة هما العراق، الذي ينتهي بمأساة موته على يد أبنائه، فالعراق يقتل العراق، والأنا تذبح الأنا، فما أقسى هذه الصورة التي يبدعها ويشكلها موريه ! عندما يتحد القاتل والمقتول في صورة واحدة، يُجرِّع العراق أبناءه اليتم والردى، كما يُجرِّع الأب أبناءه السم، في مفارقة عجيبة:

ومات العراق ” من العطش والجود يمه

أويلي يامه

أصيح بالعراق، يا عراق،

يا واهب ” الشباب اليتمَ والردى،

  ويُطل من بين الواقع المرير الذي يعيشه العراق بصيص أمل، يتجلى بصورة يُحمِّلها موريه كثيرا من الدلالات التي تمد جسرا مع الماضي، يجعل فيه الشاعر من العباس رمزا، وإن كان في حدود الحلم كما يتعين ذلك بالفعل (رأيت) الذي يأخذ القارئ بعيدا عن الواقع ؛ ليغرق في عمق الماضي باحثا عن أصل الرمز، فالعباس، عم الرسول، كان اسما وأصلا لحضارة أشعت في بغداد وجعلت منها مركزا ومنارة للعلم، اجتمعت فيها أجناس من أصول وثقافات عدة أثمرت إبداعا غير محدود في شتى العلوم، فكان جود الماء بين أسنان العباس هو إشعاع الحضارة العباسية بكل ما فيها من أعراق وملل وأديان، وقد رآه موريه يُحمل إلى مستقبل العراق الذي رمز له بالصغار، ولكن انتقال هذا الإشعاع إلى المستقبل يعوقه الحاضر، ولذلك صور الماضي الذي يرمز إليه العباس بأنه مقطوع اليدين من الطغاة، أي من الحاضر بكل ما فيه من حقد طائفي وكراهية دامية، تحول دون إنقاذ العراق من هذا الموت بجرعة من ماء العباس، مما حتَّم ختمَ الصورة بمشهد مأساوي وهو موت العراق عطشاً، مع أن الماء على مقربة منه، موجود في ماضيه الذي يجري في مائه:

وبين أسنان العباس رأيت جود الماء

يُحْمل إلى الزُّغبِ الصغار، يامه !

وقد قطع الطغاةُ يديه

ومات العراق ” من العطش والجود يمّه

أويلي يامه !

  لكن موريه لا ييأس من محاولاته لإيقاظ العراق، أملا في بعثه من جديد من الموت في غياهب الطائفية التي غدا فيها قاتلا لأبنائه، واهبا لهم مستقبلا من اليتم والردى، فيصوره بإنسان فقد رشده، يستنهضه بلهجة عراقية معاتبة (أَبْعُمَرَه يِتْهنا )، وبأساليب لغوية صاعدة من خلال النداء والأمر، لعل وعسى أن يعود إلى رشده، إلى ماضيه، ماضي الوفاق والهناء:

أصيح بالعراق، يا عراق،

يا واهب ” الشباب اليتم والردى،

عد إلى رشدك يا عراق

عد إلى الوفاق

وخلي شباب العراق مرة أبعمره يتهنا !

  عندما يسرد الشاعر من ذاكرته قصة رحليه عن العراق في قصيدة (الرحيل)، يوظف موريه تضمينين يعكسان موقفه من ذلك الرحيل، والاثنان يحضران على لسان أمه، الأول:

وعندما بلغنا الوصيدا،

قالت لي: يا ولدي لا تحزن،

إللي ما يريدك لا تريده

المزيد من الأخبار