اخبار رئيسية

نقد مسرحي: (إعْزَيزَة).. عرض مسرحي يشاكس الخرافة

صميم حسب الله 14 / 10 / 2014 

لم تكن المجتمعات الغربية قادرة على تجاوز الانتكاسات التي تعرضت لها بسبب الحروب العالمية  المتعاقبة والتي أسهمت في تفكيك بنية المجتمع الغربي ، الأمر الذي أدى إلى تعزيز   شعور الإنسان بالعزلة والاغتراب عن المجتمع/ المدينة ، فما كان منه إلا اللجوء إلى الطقوس والعادات القديمة باحثاً فيها عن كل مايمكن ان يعيد الطمأنينة إلى نفسه ويجعله قادراً على تجاوز الصدمة، ولم يكن المسرح بمعزل عن ذلك، فقد جاءت تجربة المخرج الفرنسي(أنطوان أرتو) للتعبير عن حجم الكارثة التي وقعت على الأنسان.
 الأمر الذي دفع به إلى جزر بالي في أندونيسيا مستلهماً من رقصاتهم الطقوسية وعاداتهم القديمة مسرحاً مغايراً لما كان سائداً في أوروبا، وقد تنوعت التجارب المسرحية التي انتهجت هذا الأسلوب ، لاسيما تجارب كل من (بيتر بروك) و (إيوجينو باربا) وغيرها. وعلى الرغم من ازدهار هذا النوع المسرحي في النصف الثاني من القرن العشرين – لاسيما مايتعلق بإعادة إنتاج الطقوس الدينية والعمل على تحويلها إلى طقوس مدنية واجتماعية- إلا أنها ظلت تستهدف مشاركة الجمهور في صناعة العرض ،كما في تجارب (مسرح الخبز والدمى ، و مسرح الشارع ) في حين ظل المسرح في العراق يفتقر إلى هذا النوع المسرحي مع استثناءات بسيطة لم تشكل ظاهرة يمكن رصدها، نذكر منها تجارب المخرج (سعدي يونس) في مسرح الشارع، وبعض تجارب (منتدى المسرح) ،إذ عمد بعض المخرجين إلى إيجاد صيغ غير تقليدية في منظومة التلقي تنسجم مع المعمار المكاني الذي تأسس عليه المنتدى أو أماكن اخرى مشابهة له ، وتأتي تجربة المخرج الراحل (كريم جثير) في مسرحية (الأقنعة) التي قدمها في منزل لا تتوافر فيه شروط العرض المسرحي.
إن العلاقة التي عمل المشتغلون في المسرح العراقي على تأسيسها مع المتلقي اقتصرت على تحويل مكان العرض ، وإضفاء أشكال مغايرة للتلقي ، بمعنى آخر فقد أفاد المسرح العراقي من تغيير شكل العرض وعمل على تطبيقه على نصوص مسرحية عالمية ، ذلك ان فكرة التعاطي مع الطقوس والمعتقدات محفوفة بالمخاطر بوصفها (تابو) لايمكن المساس به، وذلك لارتباطها بالمعتقدات الدينية ،الأمر الذي دفع بالعديد من المخرجين إلى اعتماد الطقوس السومرية والبابلية التي تقع خارج حدود (السلطة الدينية)، إلا أننا اليوم أمام تجربة مسرحية تغاير المألوف في مواضع عدة تأتي في مقدمتها الإفادة من الأفكار المتوافرة في المعتقدات القديمة وتوظيفها في عرض مسرحي حمل عنوان (إعزيزة)، إخراج (باسم الطيب) ، تمثيل وكتابة كل من ( احمد سعدون ، احمد نسيم، أمير أبو الهيل، أمير البصري، أمير عبد الحسين، باسم الطيب، حيدر سعد، شروق الحسن، غسان إسماعيل، مصطفى الصغير، هند نزار) وقدم في بناية (منتدى المسرح) مؤخراً.
المعالجة النصيّة للمعتقدات الاجتماعية
تنوعت اشتغالات فريق العرض على المتن النصي ابتداءً من العنوان الذي يحتكم على مضامين متداولة في الذاكرة الجمعية، ذلك أن (إعزيزة) تعرّف في الميثولوجيا الشعبية بوصفها علامة دالة على (وجود النحس والشر في المكان) وبحسب المعتقد فإنها (تستخرج من عظام الماشية ويعمل المشعوذون والسحرة على نشرها في المكان الذي يراد تدميره) ، وقد أفاد المخرج من الفكرة المتوافرة فيها وعمل على تحويلها إلى رمز للكراهية داخل المجتمع ، بمعنى آخر فقد تحولت (إعزيزة) من وظيفتها الميثولوجية إلى وظيفتها المدنية في محاولة من فريق العرض إلى ربط (النحس والشر) الواقع على المدينة إلى وجود (إعزيزة) في بيئتهم جعلتهم متصارعين وغير قادرين على التواصل مع بعضهم، الأمر الذي انتفت فيه فكرة (الشر الميثولوجي) وتحول فعل (إعزيزة) إلى سلوك جماعي تم إنتاجه داخل المجتمع بفعل الصراعات المختلفة التي أطاحت بالبنية الاجتماعية، وتأتي أهمية الاشتغال النصي على هذه الفكرة في إشراك جميع الأطراف في تبني (إعزيزة) خاصة بهم تحكم سلوكهم وتتبنى أفعالهم الاجتماعية ، من جهة اخرى فقد أنتج الاشتغال المتعدد على المتن النصي إلى تباين في المعنى على مستوى اللغة أو الفكرة التي تم تقسيمها إلى أقسام عدة يكشف النص فيها على ان (إعزيزة) هي سلوك اجتماعي ينتهجه الإفراد فيما بينهم سعياً وراء تفكيك البنية الاجتماعية ، فضلا عن ذلك فقد تنوعت الحكايات داخل النسق النصي وتنوع أسلوب روايتها ، حيث اختار فريق العرض التعاطي مع منظومة سردية تنسجم مع الفكرة ، الأمر الذي لم يقتصر فيه السرد على الملفوظ اللغوي بل تعداه إلى تعبيرات لالفظية من اجل إيصال الفكرة ، كما في مشاهد (المرآة، المشهد ثلاثي الأبعاد (3D ويعود ذلك إلى اشتراطات الكتابة النصية نفسها، فضلا عن ذلك فإن المرجعيات الحكائية تعود إلى أفكار نصية توافرت في شبكة التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك) ونذكر منها فكرة (المرآة) التي تعود إلى حكاية منشورة في الفيس بوك لايسعنا ذكر تفاصيلها هنا، ومشهد (فتاة الأحلام) . وربما يعود ذلك إلى المعطيات التي تتوافر في فنون العرض (PERFORMANCE) التي تستفيد من جميع أشكال السرد ، إلا ان ذلك لايمنع من الإشارة إلى مصادر تلك الأفكار.
التعدد المكاني في العرض المسرحي
لم يعد (منتدى المسرح) بوصفه معماراً مكانياً قادراً على إنتاج فضاءات جمالية متفردة ،ذلك ان التجارب المسرحية التي تم تقديمها منذ تأسيسه في ثمانينات القرن الماضي قد أرهقت فضاءاته وجدرانه ، وتأتي تجربة (باسم الطيب) الإخراجية لتدخل في منظومة عروض مسرحية سابقة عملت على تهشيم مركزية المكان والإفادة من التعدد المكاني الذي يتوافر في المنتدى ، ويحيلنا ذلك إلى تجارب عدة نذكر من بينها مسرحية (ترنيمة الكرسي الهزاز) إخراج الراحل (د.عوني كرومي) وليس انتهاءً بمسرحية(أيضاً وايضاً) إخراج (انس عبد الصمد) التي افتقرت إلى تنظيم فضاء التلقي بعكس ماذهب إليه المخرج (باسم الطيب) في تعاطيه مع المكان عن طريق تحديد عدد المتفرجين في كل مشهد ، كما أن فريق العمل لم يدخر جهداً في اكتشاف فضاءات جديدة تضاف إلى فضاءات المنتدى، إذ لم يقتصر الأمر على الباحة الوسطية والغرف الجانبية والطابق العلوي بل تعداه ليشمل السلالم الجانبية التي احتاج المتلقي إلى دليل يرافقه من اجل الوصول إلى منطقة العرض، فضلا عن ثبات المشهد وحركية المتلقي ، بمعنى أن مشاهد العرض ظلت مستقرة في مكانها ويقع على عاتق المتلقي الوصول إليها ، كما ان اعتماد المخرج على التعدد المكاني لم يكن بداعي النزوة السينوغرافية بل ارتبط على نحو قصدي ومنسجم مع النسق النصي المتشظي . من جهة اخرى فإن اعتماد فريق العرض على توظيف مفهوم (التشاركية) الذي تنوع فيه الاشتغال على مستويات عدة هي ( الكتابة النصية، والأداء الجماعي ، ومشاركة المتلقي في العرض) الأمر الذي بدا فيه فريق العرض مستفيداً من تجربة المخرج (باسم الطيب) المسرحية في أوروبا، إذ يشكل مفهوم التشاركية مفصلاً مركزياً في عروض المسرح العالمي المعاصر.
الأداء الوظيفي والشكل البصري
كشفت الاشتراطات التي ينتمي إليها (فن العرض) عن أساليب أدائية مختلفة ، تعتمد السلوك الوظيفي في الأداء اكثر من الاعتماد على جماليات الملفوظ اللغوي او التعبير الجمالي، الأمر الذي بدا واضحاً في عرض (إعزيزة) إلا ان ذلك لم يمنع من توافر العرض على لمحات جمالية على مستوى الأداء الجماعي التعبيري ،لاسيما المشاهد التي توافرت في الفصل الاول من العرض وماتحتويه من مشاهد حركية كشفت عن الفكرة الأساسية للعرض وعن سيطرة (إعزيزة) على المدينة/ البيت، وقد بدا ذلك واضحاً عن طرق احتكام الممثلين على سلوك تعبيري يتسم بالقسوة على الآخر من دون توافر سبب لذلك ، فضلا عن ذلك فقد امتلك بعض الممثلين قدرات أدائية امتلكت حضورها ، لاسيما الممثل (أمير عبد الحسين ) الذي استطاع السيطرة على أدواته التعبيرية على الرغم من تكرار المشهد على جميع المتفرجين على نحو انفرادي لم يكن الممثل فيه يمتلك حرية الحركة ، كما ان أداء الممثل (غسان إسماعيل) كان مثيراً من جهة قدرته على اختزال الحركة من اجل إثارة انتباه المتلقي والسيطرة عليه ، وقد امتلك الممثل (أمير البصري) سلوكاً أدائياً متميزاً في التعبير عن فكرة النازحين بسبب العنف الذي يجتاح البلاد، كما وتعد الممثلة (هند نزار) من مكتسبات هذا العرض الأدائية ، سواء في المشهد الحركي الاستهلالي إو في مشهد (الأحلام) الخاصة بها.
من جهة أخرى فإن العديد من الممثلين كانت بهم حاجة إلى توظيف أدواتهم على نحو فاعل ، ذلك ان المشاهد التي قاموا بتجسيدها تحتكم على أفكار مثيرة ، إلا ان الأداء كان متواضعاً ، كما في أداء الممثلة (شروق الحسن ) . وعلى الرغم من توافر المشهد على فكرة مهمة تتمثل في معاناة المرأة العراقية، إلا ان الأداء التمثيلي لم يرتق إلى مستوى الفكرة ، فضلا عن ذلك فإن مشهد (الكاريكاتير) لم تكن به حاجة لممثل يشرح للمتلقي التعبيرات الكاريكاتورية الواضحة ، واعتقد ان (فن العرض) يسمح بالتعبير عن الفكرة من دون ضرورة لوجود الممثل ، كما ان المخرج لم يتفاعل مع قدرة الممثل ( أمير أبو الهيل ) الأدائية التي عمد إلى تحجيمها في مشهد (3D ) الذي لم يكن يحتاج إلى ممثلين ، ويأتي مشهد (اللطم) الأخير تعبيراً مجازياً عن أوجاعنا وأحلامنا المجهضة ومستقبلنا المجهول ، عبر أداء جماعي تعبيري يستحق الثناء.
لم يكن العرض منتظماً على مستوى التشكيل البصري ، باستثناء المشاهد الجماعية في الفصل الأول والأخير ، إذ افتقرت العديد من المشاهد إلى توافر الرؤية البصرية كما في مشهد ( شروق الحسن) الذي بدا قبيحاً على المستوى البصري ، على الرغم من توافره على فكرة تستحق اهتمام المخرج.

المزيد من الأخبار