ثقافة

((أبو معيشي)).. بلاغة فطرية وخيال جامح بالأبوذية!

قاسم العكيلي 12 / 07 / 2014 

يحتفل جميع أهالي سوق الشيوخ المُحبة للشعر والأدب بمقدم الصبي الأسمر جمعة معيشي داود خليل الشمري مع أبيه وأخيه الأكبر الوافد من عمق الصحراء القصية (نجد) حيث موطنه الأصلي والذي أبصر النور فيه عام 1880 للميلاد وهو لم يكمل عامه الرابع إلا بعد أن اشتد عوده مع تقادم الأيام والسنوات وتفجر طاقاته الشعرية بفعل الموهبة المتفردة التي نهلت من معين سوق الشيوخ الشعري الزاخر بالأدب والمعرفة فضلاً عن تكوينه البدوي الذي منحها معجماً ثراً من المفردات المعبرة التي التصقت بمخيلته قبل أن يغرد في الفضاء الشعري الذي تربع عليه طيلة عقود من الزمن انتهج شاعرنا خطاً متفرداً بكتابة (الأبوذية) وكان مولعاً بها حتى منحها كل مقومات النجاح وكان نفسه الشعري في كتابة (الابوذية) محط أنظار الشعراء وقتذاك حيث اجاد بما يمتلك من رقي الحس بالغزل حتى ذاع صيته بهذا اللون من الشعر كما أنه كان متمرساً بالسجال ويرد الصاع صاعين على كل من ساجله في تلك الأمسيات الجميلة التي واظب على حضورها وكان شاعرنا ميالاً الى الفكاهة حتى كتب بعض الأبيات المثيرة للضحك والإعجاب في هذا المضمار.
إشتغل الصبي (جمعة معيشي) في أحد بساتين المدينة ما ساعده على إطلاق العنان لموهبته الشعرية التي تناقلتها الألسن في كل مكان من المدينة قبل أن تتطاير(أبوذياته) الى المدن الأخرى المتاخمة لمدينة سوق الشيوخ وتصبح سلوة العاشقين ومتنفساً لمحبي الأدب والشعر وخصوصاً من شغل قلبه الحب والوصال..
كما يبوح في أول أبوذية قالها:
وحگ سورة عصا موسى ولك هاف
ما تسگي زرع گلبي ولك هاف؟
يناهي العرك غث عينك ولك هاف
ومن تنعس منامك بين إديه

شهدت المدينة برمتها نبوغ الرجل وفرادته بسبك أجمل الصور الشعرية ما استقطب الأصوات الأدبية المهمة وأجبرها على الإنصات لما يبوح به من نسج متمكن وباقتدار عال ينم عن ظاهرة شعرية لا يمكن الا الوقوف عندها طويلاً للتأمل وتذوق الشعر على أصوله الصحيحة.
” أبو معيشي”
تزوج جمعة معيشي وهو لم يكمل عقده الثالث بعد أن تطايرت اشعاره بين الناس وأصبحوا يرددونها باعجاب كبير، فأنجب ولده البكر(معبشي) ومن ثم ولديه عبد الله وفارس. أصبح أبو معيشي من الشعراء المرموقين حتى أطلق عليه لقب الجوهرة السوداء، وكانت له مساجلات كثيرة مع أعلام الشعراء وآنذاك كما اصبح مقصداً للكثير منهم حيث كانوا يلتقونه في بستان المرحوم “الزاير دولي” صباحاً وفي مقهى صديقه الشاعر ” الملا صگبان محيسن الازيرجاوي” حيث يجتمع الشعراء هناك قبل أن يعقدوا جلستهم في دكان كبير للمرحوم (الحاج عناد الحريب) بعد أن يعد المرحوم مكاناً خاصاً مفروشاً بالحصران والسجاد العربي قبل أن ينتقل مجلسهم ليلاً الى أحد منازل الشعراء كما ذكر الأستاذ فرقد الحسيني في كتابه الموسوم ” أبو معيشي” وكانت تلك الجلسات عامرة بفاكهة الشعر والارتجالات المقتدرة في الأبوذية التي كان شاعرنا أحد قاماتها السامقة:
بحذر وأصعد عليهن ساف منساف
لهه يمة محمد عين منساف
لهه جعود فوگ المتن منساف
ولها منحر يوسدني المنيه
الشاعر الأمي” أبو معيشي”
مما يثير الدهشة والإعجاب هو أن شاعرنا المبدع لا يُحسن القراءة والكتابة ويعتمد في سبك أبوذياته على خزينه المعرفي الذي يضاهي العشرات من المتعلمين في ذلك الوقت حتى وصل” أبو معيشي” الى أنساق ابداعية لا تدانيها موهبة أخرى في رقي المفردة وصهرها ضمن نتاجه الشعري الهائل حيث كان شاعرنا يوثق مدوناته الشعرية عبر الإستعانة بأي شخص يجيد القراءة والكتابة كما يؤكد الأستاذ فرقد الحسيني في نفس الكتاب ويقول:
منذ نعومة أظفاري وأنا أجلس أمام الشاعر الكبير” أبو معيشي” كان ذلك نهاية الستينيات عندما كنت طالباً في الصف الخامس الإبتدائي ، عندها لم أكن أدرك ما هو الشعر لكني أدرك شيئاً واحداً هو اني ارتعش أمام هذا الرجل الذي ترك الزمان على تقاسيم وجهه بصمات السنين بكل وضوح، أرتعش ارتعاشة يديه وهو يشير الى نخلة في بستان المرحوم (الزاير دولي) تلك النخلة التي يفضل الجلوس تحتها معظم الوقت لسلم أحاسيسه الى اللا وعي في غيبوبته لا يصحو منها الا على بيت أو بيتين من شعر الأبوذية. كنت أشاهد اغماضة عينيه وتمتمات شفتيه الذابلتين قبل أن يدفع لي (عشرين فلساً) عشرة منها للطابع حيث أرسل له ما كتبت الى شعراء الشطرة وعشرة فلوس يقول لي هذه لك(كتابية) أي ثمناً للكتابة، هذه بعض مذكرات الحسيني الذي عاصر الشاعر قبل رحيله ويذكر ان الشاعر كان يصر عندما يطلب منه أحد ما تدوين أبوذياته أو يذكر جملة (يگول ابو معيشي) ثم يكمل الأبوذية بحيث يزعل زعلاً شديداً عندما لا تذكر هذه الجملة قبل كل بيت من كل أبوذية كتبها الشاعر.

وفاة الجوهرة السوداء
بعد عطاء شعري هائل وحضور متميز بالحلاوة والندية بين مجايليه من الشعراء لفظ شاعرنا الكبير بو معيشي أنفاسه الأخيرة في يوم 1978/12/24 لينهي بذلك رحلة شاقة مع الشعر امتدت لعقود طويلة عاشها الراحل متنقلاً بين روابي الجمال الأخاذ من الشعر ومرابع الأبوذية التي أينعت على شفتيه وأورقت صورها المتلألئة بالحس الشعري الجميل، بكنه بحرقة كل عيون المدينة التي حفظت شعره عن ظهر قلب وشيعته مدججاً بالحب وةالشعر الى مثواه الأخير في مدينة الزبير حيث بقي قبره شاهداً على ظاهرة شعرية فذة وما زال عشاقه يزورونه استذكاراً لروحه الحاضرة بين جنبات الشعر وقيل أن آخر بيت من الأبوذية نطقه الشاعر قبل الرحيل هو:
صد ليه حكيمي صدعني
عرف بجروح چبدي صدعني
يروحي اصفي البيابي صدعني
إحچيلي برفجة الجناز اليه

المزيد من الأخبار