ثقافة

أشعـار المـلا عبـود الكـرخي مـازالت تمـثـل تــراثاً شعــبـيـاً ثمـيـناً

زهير الفتلاوي 8 / 03 / 2014 

وقع الاختيار في امسية مجلس الدكتورة آمال كاشف الغطاء الثقافي على الباحث والشاعر الساخر داود الرحماني، للحديث عن الشخصية الفريدة الشاعر والصحفي اللاذع الراحل الملا عبود الكرخي.
الرحماني استهل حديثة قائلا: على الرغم من مرور نحو سبعين عاماً على رحيله مازالت أشعار الملا عبود الكرخي تمثل تراثا شعبيا ثمينا بلهجته العراقية والساخرة التي تستعاد في أكثر من مناسبة وحدث وموقف. فقصائد المجرشة، وقيّم الركاع، ووعد الحر دين، ومئات أخرى من القصائد الناقدة والساخرة مثلت حكما شعبية متداولة، رسمت هواجس وضمير البسطاء أبدعها الكرخي الذي ولد ببغداد عام 1861 وتوفي فيها عام 1946، وعرف عنه جرأته في النقد والسخرية وتضمين الأمثال الشعبية في قصائده وأشعاره. ومن ضمن قصائده الرائعة التي لم تنس تلك الابيات التي يتنقد فيها تفشي الفساد واستحواذ السياسيين على السلطة وتكريسها لمصالحهم الشخصية، اذ يقول فيها:
لازم انميز الزين امن الزلم
وننتخب كلمن شهم صاحب علم
ونرفض اللي يجي كل يوم ابفلم
من ايشوف المنصب اشويه اندرچ
قيم الرگاع من ديرة عفچ
يا حكومتنه الرشيده ام الوقار
الفساد المالي عنوان الچ صار
ندري جابوكم ابدبابه وقطار
ليش ضليتوا سمچ ياكل سمچ
قيم الرگاع من ديرة عفچ
ويعرج الرحماني على اهم صفة بالكرخي وهي الجرأة بالطرح ونقده اللاذع وانحيازه التام للفقراء والمساكين وللشعب، خاصة في توظيف تلك القصائد لصالح المواطن.
تتميز لغة الكرخي بالسلاسة والطراوة، والمفردة الناقدة اللاذعة وهو يتحدث بلسان فئات من شعبه، انتقد الحكام، والأجنبي المستعمر والفساد والواسطة، فضلا عن  تناوله الشأن الحياتي والمجتمعي في قصائده التي ضم أكثرها ديوانُه المطبوع بأربعة مجلدات، اذ وصف الشاعر والباحث داود الرحماني شعر الكرخي بأنه موسوعةً للهجة البغدادية وللعادات والتقاليد الشعبية والصور الرائعة لمختلف جوانب الحياة، اضافة الى العديد من القصائد التي تنتسب الى الأدب المكشوف في تناولها الجريء يتداولها الكثيرون سراً.
من قصائده المشهورة التي عكست معاناة الناس والفقراء المظلومين قصيدة “المجرشة” التي نقلت عن لسان امرأة عراقية أوجاعها ومعاناتها الاجتماعية والاستغلال التي تقع فيه. ويرى البعض أن الكرخي وظف مقاطع هذه القصيدة الطويلة لتكون رمزا للعراقيين، اذ يقول في إحدى مقاطعها:
ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو الكيّرها
واحركك أبو كل مَن ابمنشاره وفاسه انجرها
بعناد هالظالم استادي رويحتي مرمرها
للكفر يا أهل الرحم ابن الزنه يقرّيها
ويقول داود الرحماني ان شخصيةَ الكرخي تتميز بالموهوبة ومتنوعة المصادر في المعرفة، وقدرتَه على تعلم العديد من اللغات نتيجة تنقله في بعض بلدان الجوار برفقة والده تاجر الجمال والمواشي المعروف.
عرف عن داود الرحماني مجاراته شعرياً لعدد من قصائد عبود الكرخي كجزء من إعجابه الكبير بشخصية الكرخي العراقية الفذة، الذي مازالت أشعاره تنبض حياة ودلالة حتى بعد عقود من قولها. ففي العشرينيات من القرن الماضي نبه في قصيدة  له مثلا الى مخاطر التفرقة الطائفية، وكأنه يخاطب العراقيين هذه الأيام حيث يعيد التاريخ نفس الاحداث السياسية والاقتصادية.
ثم جرت أحاديث ومداخلات للضيوف من رواد المجا لس الثقافية البغدادية،اذ قال الباحث عادل العرداوي: كان الملك فيصل يرتدي الزي العربي الحجازي:الثوب والعباءة والعقال المقصب. في ذلك الوقت كان الشعب ينقسم إلى من يرتدي الزي العربي ومن هم بالزي الغربي “الأفندي” يرتدون الطربوش العثماني، ولأن الملك فيصل الأول كان واضعا نصب عينيه بناء دولة عراقية مدنية حديثة تساير التطور وبعيدة عن الطائفية والعنصرية المنغلقة على شريحة بعينها من دون غيرها. واثناء احتفالية تنصيب الملك فيصل الاول كان الكرخي يرتدى الطربوش العثماني   وأراد الملك ان يرتدي الكرخي  السدارة الفيصلية، وقال له: يا ملا عبود، ماذا احمل في يدي؟. اجابه الكرخي: انت وما تحمل في يدك على رأسي.
وألبسه الملك السدارة الفيصلية، وخلع العقال المقصب الكبير.
وقال ان الكرخي توفي و لم يترك مالا ولا أملاكا، بل ترك تراثا حيا لايزال يعشقه ويقلده الملايين.
في حين وصفت عميدة المجلس د. آمال كاشف الغطاء الكرخي بالشاعر الاسطورة وقالت:  كان  ناقدا في مرحلته الصعبة، وهي بداية تأسيس الدولة العراقية، وكانت اشعاره وكتاباته تمثل صدمة للمحتل البريطاني في تلك الحقبة. واشارت الى ان الحركة الادبية لم تشهد مثل هذة الظاهرة إذ كان ناقدا سياسيا بتلك المرحلة، بل أصبح من أكثر الداعين إلى الثورة في تلك المرحلة، ما يدل على نضج فكري ووعي سياسي والتزام مبدئي، يتضح  ذلك في موقفه الوطني ومساندته ومشاركته الفعلية في معاناة الناس، ونقل همومهم بالسخرية والفكاهة للتخفيف عن الضغوطات التي كانت تواجه المجتمع بتلك الحقبة.

المزيد من الأخبار